مسافرة "تورنزا" والعوالم الموازية
فيديو غامض ومثير لسيدة في أحد المطارات الأمريكية، بعد أن استوقفتها سلطات الهجرة في المطار لفحص جواز سفرها، الذي كان يبدو رسميا ويحتوي على أختام العديد من الدول، إلا أن هذا الجواز قد أصدرته دولة غامضة تسمى "تورنزا"، كما أن الأختام داخل جواز السفر لكثير من الدول غريبة، فما هي قصتها؟ وكيف كشفت التحقيقات ملابسات وغموض تلك الواقعة؟
لابد أنك قد صادفت هذا الفيديو من قبل على وسائل التواصل الاجتماعي، ولابد أنه أثار عندك الفضول والشغف لاستكماله ومعرفة تفاصيل تلك الواقعة الغامضة، وكشف الحقائق من ورائها. وفي حال لم تره، فإن المقطع يظهر سيدة خمسينية يبدو على ملامحها الكثير من الاضطراب، بعد أن هبطت طائرتها القادمة من إحدى الدول الأوروبية، وأثناء إجراءات الدخول في أحد المطارات الأمريكية، لاحظ موظف الهجرة أن الجواز لا ينتمي لأي من الدول المعروفة بل يحمل شعار دولة تسمى "تورنزا"، إلا أنه يبدو جواز سفر طبيعي وأصلي.
بفحص الجواز وجده يحوي أختاما تبدو أيضا أصلية، إلا أنها لدول غير معروفة أيضا، ليضطر الضابط إلى طلب الدعم من سلطات الهجرة في المطار لمزيد من التحقيق والتحري حول أوراق تلك السيدة، وتوضع السيدة في غرفة التحقيق في انتظار المحققين، إلا أنها، وقبل التحقيق معها، تختفي من المطار ووثائقها دون أن تترك أي أثر.
بتقصي تلك الحكاية، يتضح أنها ليست الوحيدة من هذا النوع، وأن تلك السيدة ليست أول من يحمل جواز سفر غامض ومريب. ففي يوليو عام 1954، في مطار هانيدا بطوكيو، أوقف مسؤولو الهجرة رجلا أوروبيّ الملامح وصل على متن رحلة تجارية قادمة من أوروبا، وعندما طلبوا منه جواز سفره، وجدوا أنه صادر من دولة تُدعى "تاورد / Taured"، وهي دولة غير موجودة في أي خريطة أو سجل جغرافي رسمي.
المسافر بدا واثقا جدا، يتحدث عدة لغات كالفرنسية واليابانية والإسبانية، وكان أنيق الملبس ويحمل حقيبة فيها أوراق رسمية وعملات من دول أوروبية متعددة. وعندما سأله الضابط عن موقع بلاده، أشار على الخريطة إلى منطقة بين فرنسا وإسبانيا، أي موقع مملكة "أندورا"، لكنه أصيب بالذهول حينما قيل له إن "أندورا" هي الدولة الموجودة هناك، وليس "تاورد". وأصرّ أن بلده موجود منذ أكثر من ألف عام، ليتحفظ المسؤولون اليابانيون على المسافر في فندق مجاور للمطار لمزيد من الفحص والتحري، قبل أن يختفي المسافر أيضا دون أن يترك أدنى أثر، وأُغلق التحقيق حيث لم يتم العثور على أي سجل له، ولا على طريقة خروجه من الغرفة أو الفندق، ولم يُفتح أي بلاغ رسمي لاحق، لتصبح القصة منذ ذلك الحين لغزا مفتوحا.
نُشرت القصة الأخيرة في كتاب بعنوان The Directory of Possibilities عام 1981، حيث وردت دون ذكر أي مصادر رسمية. وقد تفتح القصص السابقة الباب على مصراعيه لتداول أحاديث ونظريات حول العوالم الموازية والبوابات النجمية وحتى السفر عبر الزمن، لكن هذا لا يمثل أي جانب من جوانب الحقيقة، فالمراجعة الدقيقة للأخبار والوثائق والسجلات حول العالم أثبتت أن تلك القصص ما هي إلا مجرد خيال يجذب القراء والمشاهدين، تماما ككتاب "أرواح وأشباح" للكاتب الكبير أنيس منصور، وكتاب The Book of the Damned للكاتب تشارلز فورت، الذي نُشر في عام 1919، وهي كتب تتناول بعض الأساطير والخرافات والقصص الخيالية الغامضة أو الخارقة.
السؤال الملح: لماذا تميل النفس البشرية إلى قراءة ومتابعة تلك القصص وتناقلها عبر الأجيال؟ فمن منا لم يجلس مع أبويه قديما ليستمتع بقصص الأشباح وأمنا الغولة والنداهة؟ ومن منا لم يجد المتعة والشغف في قصة حول جلسة تحضير أرواح، أو لغز غامض خارق للعادة يستحيل كشف فصوله؟ والآن، في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لاقت تلك القصص رواجا أكبر وفضاء أرحب للانتشار، لدرجة أن نجد قصة مسافر "تاورد" تُستنسخ على هيئة فيديو لسيدة مسافرة دولة "تورنزا".
السؤال هو هل من تفسير علمي للشغف المفرط بتلك النوعية من القصص؟ والحقيقة أن العلم قد وقف بفروعه المختلفة على تفسيرات متعددة لتلك الظاهرة، منها التفسيرات الفلسفية، حيث أطلق الباحثون في علم النفس المعرفي والإعلام على هذه الظاهرة أحيانا "جاذبية الغموض" أو "الإيمان بالظواهر غير المألوفة"، كما عزتها مدرسة التحليل النفسي العميق (مثل كارل يونغ وفرويد) إلى انجذاب الإنسان للأساطير لأنها تُشبع اللاوعي الجمعي، والحاجة إلى الإيمان بما هو أكبر من الواقع المادي، فإن الغموض يمنح "المعنى المفقود" في الحياة الروتينية. إلا أن تفسير علوم الأعصاب الحديثة من منظور بيولوجي يعد الأقرب منطقية في تلك الأطروحة، فإنه يؤكد أن الغموض والدهشة لا يثيران فقط فضولنا الفكري، بل ينشطان دوائر عصبية محددة في الدماغ مسؤولة عن الخوف، والفضول، وإدراك الأنماط والمكافأة، مما يجعلها تحفز بعض خلايا المخ على إفراز الأدرينالين والدوبامين اللذين يشعران الإنسان بتلك الإثارة الغامضة والمتعة اللحظية من متابعة تلك القصص.
وهذا بالتأكيد يفسر بشكل علمي تعلق الإنسان، في المطلق، بهذا النوع من القصص عبر العصور، كما يبرر أسباب انتشار وتناقل مثل هذه الحكايات والقصص الغامضة. ولكن يبقى الحد الفاصل بين الإنسان المدرك الواعي والإنسان المُغَيَّب هو التصديق، فإن المتعة في متابعة وتتبع تلك القصص الأسطورية يجب، بل يُحَتَّم، عدم الوقوع في فخ تصديق تلك القصص. فالعلم لا يجد غضاضة في بعض الإثارة والاستثارة، ولكنه بالتأكيد يتنافى مع الانخراط في تتبع وتصديق تلك الأساطير. لذلك يا صديقي، وخاصة في عصر التطور التكنولوجي المذهل والذكاء الاصطناعي، يجب ألا تصدق كل ما ترى، حتى وإن رأيته ملء العين، فإحكام العقل أصبح ضرورة علمية وشرعية، لا رفاهية.