حكايتي مع أدونيس
كنّا مجموعة من الشباب والصبايا نشرب القهوة في مقصف المعهد المتوسط الطبي في حلب والتابع لوزارة التعليم العالي في سوريا، ونُناقش حول طاولة مستديرة قصة كنتُ قد قدمتها لتشارك في المهرجان الأدبي السنوي في كلية الآداب وأنا ابن المعهد المتوسط الطبي - قسم تخدير وإنعاش. القصة بعنوان "مقطع من أوبرا البعوض الطائر"، وقد بقيت مع أوراق في مكتبتي احتفظتُ بها من عقود بمدينة إدلب، ولم أكن قد صنعت منها نسخة إلكترونية مع العديد من القصص الأخرى المنشورة وغير المنشورة.
رحلتُ مع أسرتي إلى مدينة إزمير على شاطئ بحر إيجة على عجل خريف عام 2016، وتركنا ما يوجع القلب والوجدان في الشمال السوري. المهم، وكلّه مهم، كانت القصة تحاول في تلك الأيام العصيبة، أن تنتقد السلطة السياسية في سورية بعنف ولكن برمزية وتعمية شديدة، ودليل نجاحها في التعمية أنها قُبلت في المهرجان الأدبي حين قدمتُ نسخة منها إلى المشرفة على أعمال المهرجان، بمعنى مرّّت من مقص الرقيب.
ألقيتها بصوتي على مدرج كلية الآداب في جامعة حلب عام 1984وكان في لجنة التحكيم يومها الكاتبان السوريان وليد معماري ونبيل سليمان. في تلك الأيام كانت البلد لم تخرج بعد من نتائج اضطرابات سياسية عارمة شهدت عنفا عسكريا ومدنيا هو الأعنف في تاريخ سوريا بعد الاستقلال، قُتل فيه الآلاف وفقد الآلاف واعتقل الآلاف من جميع التيارات السياسية من أقصى اليسار، حزب العمل الشيوعي، الحزب الشيوعي السوري جماعة رياض الترك، وحزب البعث العراقي، إلى أقصى اليمين، الطليعة المُقاتلة و"الإخوان المسلمين"، لذلك كانت عين السلطة تراقب القصائد العمودية وقصائد التفعيلة والقصائد الحرة والقصص الطويلة والقصيرة والروايات والمقالات والمذكرات والمسرحيات والأغنيات والأفلام واللوحات، ما كان طازجا منها وما بات.
في شتاء ذلك العام الماطر جاء الشيخ إمام إلى سوريا قادما من لبنان بعد أن أحيا العديد من الحفلات الغنائية في الذكرى الستين لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني 1924-1984، أمطرنا بأغانيه التي تخرجك عن طورك فتطمح إلى الخروج في مظاهرات تهتف فيها بما تيسر من هتافات ضد أنظمة الحكم المستبدة.
بعد الانتهاء من قراءة قصتي "مقطع من أوبرا البعوض الطائر" على مدرَّج كلية الآداب في جامعة حلب فُتح باب النقاش للاستماع إلى الآراء النقدية في القصة، وبعد عدد من المداخلات النقدية، هكذا كانت تُسمى تلك الأيام، وقف شاب في الثلاثين من عمره، أشعث، أغبر، مدفوع بالأبواب، بلحية مثقف، وبيده المِكْروفون، قال في ختام مداخلته على ما أذكر: من الواضح هنا بأن الكاتب في هذه القصة، ذات الفانتازيا اللامعة، بدا متأثراً بعمق شديد بالشاعر أدونيس.
هنا التفت إلى يساري وسألتُ الكاتب وليد معماري: "مين أدونيس؟". ضحك معماري، "أضحك الله سنكم"، وقال همساً بيني وبينه: ألا تعرف الشاعر أدونيس؟ قلتُ على طريقة أهل إدلب في الحديث: "سامع الصوت" لو كنتُ أعرف ما سألتْ.
نعم، لم أكن أعرف الشاعر أدونيس ابن بلدي في شبابي المبكِّر. لكنني كنتُ أعرف كتاب "أدونيس أو تموز -دراسة في الأساطير والأديان الشرقية القديمة"، وهو من تعريب جبرا إبراهيم جبرا، الطبعة الثانية عام 1979، وصدرت طبعته الأولى عام 1957. هو جزء من كتاب ضخم من تأليف الباحث جيمس فريزر، وقد جاء في مقدمة مُعرِّب الكتاب الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا: "نُشر كتاب (الغصن الذهبي) the Golden Bough، في عدة مجلدات لأول مرة سنة 1900 ويُدعى الرابع منه "أدونيس، آتيس، أوزيرس"، وكتابنا هذا هو الجزء الأول منه. وهو كتاب له أهمية خاصة، فهو يُعالج فكرة أنتجتها تربة بلادنا، ويعود بالكثير من أساطير الاغريق التي تكوّن الفكر الغربي، والحضارة الأوروبية، إلى معتقدات وديانات انبثقت من هذه الأرض".
بعد هذه الواقعة التي وقعت، فهي واقعية، على حدّ تعبير الراحل زياد الرحباني في شريط كاسيت "بما أنو"، رحتُ أُفتّشُ عن مؤلفات أدونيس لأتعرف عليه وأشكره لأنني تأثرتُ به. اليوم الشاعر السوري حياً يُرزق، وقد قاربت سنوات عمره المئة، فهل نعرف نحن السوريون حقيقة الشاعر أدونيس فعلاً؟