الحقيقة ليست بيضاء أو سوداء

27 October 2025
الحقيقة قد تكون لوحة فسيفسائية متعددة الألوان والأبعاد (جيتي)
الحقيقة قد تكون لوحة فسيفسائية متعددة الألوان والأبعاد (جيتي)
jamalpira@yahoo.com
جمال پیرە
تابع الكاتب عبر :

نحن نعيش في زمن العبارات المتطرفة، حيث الحقيقة قطعة واحدة لا تتجزأ. إنّه عصر "إما كل شيء أو لا شيء"، أو كما يقول المثل الشعبي العراقي "إمّا أن ألعب أو أُخرّب الملعب". في هذا الزمن لا يُرى شيء بين الصواب والخطأ، فالرأي الثالث إما غير موجود، وإن وُجد فهو مذنب ويجب قمعه. عيوننا أصبحت ترى بُعداً واحداً فقط، والاختلافات تحوّلت إلى سبب للخلافات، والنصوص باتت تحمل معنى واحداً فحسب، ولا يجوز تفسيرها بطريقة أخرى. نحن في زمن كأنّ آباءنا وأجدادنا لم تكن لديهم أيّ تجربة، نفكّر وكأنّنا وحدنا من كنّا موجودين ووحدنا من سنبقى، وأيّ شخص لا يقع ضمن إطار هذه الدائرة الضيّقة، لا يمكن لأيّة قوة أن تراه.

هذه العقلية الأحادية المتشدّدة حوّلت مجتمعاتنا إلى ساحات صراع دائم، حيث لا مجال للحوار البنّاء أو قبول الرأي الآخر. إنها عقلية تنسى أن الحقيقة أشبه بالضوء الذي يتكسّر إلى ألوان متعددة، وأن كل واحد منا يرى جزءاً منها فقط، لا كلها. لقد أصبحنا أسرى تفكير ثنائي متطرّف لا يعترف بالتنوّع الفكري ولا يقبل بالتعدّدية، بل يعتبر أيّ خروج عن القالب الجامد خيانة أو انحرافاً يستوجب الإقصاء. إنّ هذا النهج المتعصّب يقودنا نحو الانغلاق والجمود، ويحرمنا من ثراء التجارب الإنسانية المتراكمة عبر الأجيال. الإنسان في هذه المنطقة كان دائماً ضحية أفكار متطرّفة، أفكار تقول إنّك إذا كنت ضدّ شيء فأنت بالضرورة ضدّ كلّ شيء، أو إنّ ذِكر خطأ واحد يعني مباشرة رفض كلّ شيء، أو فكرة أن تكون في آن واحد صديقاً وعدوّاً، رفيقاً وخصماً. وإن لم تكن هذه نماذج جديدة في المجال السياسي العالمي، لكنّها لا تنجح عندنا وتزيد من تعقيد الأمور.

 إذا بقينا هكذا، فالنهاية ليست بعيدة حين نتساقط كأوراق شجر الخريف! ولتجاوز هذه الإشكالية، نحتاج أوّلاً إلى فهم عميق للمحيط وقراءة واعية للطرف الآخر، وهذا يتطلّب منّا قدراً من القدرة السيكولوجية، إذ من دون ذلك لا يمكن تحليل الظروف ولا يمكن أن تكون خطواتنا صحيحة وواعية. فلكي نتمكّن من إفهام قوم ما، علينا أن ندرك أنّ ما يفعله ويقوله قادة الأحزاب والجهات السياسية باسم القومية ليس دائماً صحيحاً، فقد يكونون قد ربطوا أنفسهم بهذا المفهوم لأغراض أخرى. وإذا أردنا أن نفهم نوعاً من المتديّنين، فإنّ الحديث عن أولئك الذين يشتغلون باسم الدين بأشياء أخرى، كحياتهم الخاصّة ومتعهم ورغباتهم وشهواتهم، لا يساوي الحديث عن الدين نفسه. بلا شكّ نحتاج إلى جهد كبير في هذا المجال، وإذا استطعنا بعد ذلك الجهد أن نحصل على قناعة الطرف الآخر فهذا جيّد، لكنّ المشكلة أنّنا في كثير من الأحيان نكون عبثيّين، لا نصل إلى أيّ نقطة مرضية، بل أحياناً نخلق مشكلة كبيرة لأنفسنا ولمحيطنا. 

ولتوضيح خطورة هذا التفكير الثنائي، يمكننا النظر إلى أمثلة واقعية من سياقات مختلفة تكشف عن مدى سطحية هذا النهج وعجزه عن استيعاب تعقيدات الواقع. في السياق الفلسطيني، حين ننتقد قرار قادة "حماس" بشن هجوم السابع من أكتوبر، فهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أننا نبرر المذابح التي ارتكبها الإسرائيليون قبل تلك الحادثة وبعدها وما زالوا يرتكبونها. النقد هنا لا يعني الانحياز للطرف الآخر، بل يعني رؤية الخطأ حيث يكون دون أن يلغي ذلك وجود أخطاء أكبر وأفظع لدى الطرف المقابل. 

في السياق المحلي العراقي، لا سيما في ظل الأزمات السياسية والإدارية المتكررة بين بغداد وأربيل، فإن توجيه النقد لجانب كبير من قرارات ومواقف حكومة معينة واعتبارها خاطئة ومستحقة للمساءلة، لا يعني بالضرورة أن قرارات ومواقف الحكومة المقابلة صائبة أو جديرة بالإشادة. فالخطأ في جانب لا يبرر الخطأ في الجانب الآخر، كما أن نقد طرف لا يستتبع حتماً تبرئة الطرف المقابل أو تزكيته. غير أن أصحاب العقلية الثنائية يرفضون هذا المنطق، ويعمدون إلى تشويه الحقيقة بطريقة ممنهجة: فإما أن تكون معهم بالكامل وتبرر كل أفعالهم، وإما أن تُصنَّف كعدو أو خائن. هذا التشويه المتعمد يحول النقد الموضوعي إلى جريمة، والتوازن في الحكم إلى ضعف أو انتهازية، مما يخلق مناخاً يستحيل فيه الوصول إلى حقيقة واضحة أو حوار منتج.

في السياق الدولي، الكل يعلم بأن الولايات المتحدة تمارس سياسة الكيل بمكيالين، ممّا أحدث تأثيراً سلبيّاً عميقاً وخلق حالة من عدم الاستقرار في العالم: فهي تقف مع إسرائيل في صراعاتها ضدّ إيران وتدعمها عسكريّاً ودبلوماسيّاً، بينما تتفاوض وتتّفق مع إيران سرّاً في ملفّات أخرى، وتتعاون مع تركيا كحليف في الناتو لكنّها تعارض سياساتها الإقليمية، كما تدعم حركات مسلحة مدرجة في قائمة الإرهاب وتستقبلها رسمياً في واشنطن، وتدعم أوكرانيا بمليارات الدولارات من الأسلحة والمعونات ضدّ روسيا لكنّها تنتقد زيلينسكي وسياساته وتحافظ على علاقات خلفية مع بوتين لحماية مصالحها.

في خضمّ هذا الواقع المعقّد، تبرز خطورة الإصغاء لمن ينخرطون في النزاعات السياسية والحزبية طمعاً بالمال، فهذا يعني تبرير الأموال التي يحصلون عليها تحت هذا المسمّى. هؤلاء يتاجرون بمعاناة الناس ويستغلّون الخلافات لملء جيوبهم، متجاهلين المبادئ والقيم الأخلاقية. إنهم يصنعون حقائق زائفة ويروّجون لروايات مشوّهة تخدم أغراضهم، مستغلين سذاجة البعض ويأسهم من أجل تعزيز نفوذهم. إنّهم يزرعون الفرقة بين أطياف المجتمع ويؤجّجون نيران الصراع، لا من أجل مصلحة عامّة أو قضيّة نبيلة، بل من أجل مكاسب شخصية دنيئة. وحين نمنحهم آذاناً صاغية، فإنّنا نمنح تصرّفاتهم المشبوهة غطاءً شرعياً ونصبح شركاء، ولو بشكل غير مباشر، في تدمير النسيج الاجتماعي وتقويض الثقة بين المواطنين.

 الآن بعد أن وصلنا إلى وضع لا يُحتمل بات من الواجب، كلّما احتجنا إلى حلّ مشكلة أو إطلاق مشروع، أن نضع الحساسيات الحزبية جانباً، وأن نطالب بحقوقنا ونقيّم أداء المسؤولين بكلّ موضوعية وشفافية. يجب أن نفهم أنّ الحقّ هو ما يُنتهك، وكلّ من ساهم في ذلك، أيّاً كان موقعه أو انتماؤه، يجب أن يخضع للمساءلة العادلة. فالحكمة تقتضي أن ندرك أنّ الحقيقة متعدّدة الأوجه، وأنّ الاختلاف في الرؤى والآراء ليس نقيصة، بل ثراء يُغني المجتمع ويدفعه نحو التطوّر والنضج. كذلك يجب أن نفهم أنّ التحيّز بهذه العقلية البيضاء والسوداء لا يعطي في النهاية أيّ نتيجة إيجابية، بل يشوّه رؤيتنا ويعمي بصيرتنا عن إدراك الحقائق في تعقيدها الطبيعي. 

إنّ الخروج من هذه الدائرة المفرغة يتطلب منّا شجاعة فكرية ووعياً عميقاً بتعقيدات الواقع وتشابك المصالح، وإدراكاً بأنّ الحقيقة نادراً ما تكون بيضاء وسوداء، بل هي لوحة فسيفسائية من الألوان والظلال التي تستحقّ أن نراها بعيون مفتوحة وعقول متحرّرة من قيود "إمّا معي أو ضدّي" ومن التعصّب والانغلاق. فقط حينها يمكننا أن نبني مجتمعاً أكثر نضجاً وتسامحاً، مجتمعاً يقبل بالاختلاف ويرى فيه غنى لا تهديداً، ويدرك أنّ التنوّع قوّة وليس ضعفاً.