"البيانات نفط العصر الرقمي"

19 October 2025
البيانات أصبحت موردا هاما للشركات والدول (غيتي)
البيانات أصبحت موردا هاما للشركات والدول (غيتي)
dr.shahin1@gmail.com
إبراهيم محمد شاهين
تابع الكاتب عبر :

كنت أسمع منذ سنوات أن “من يملك النفط يملك المستقبل”. لكنني اليوم، وأنا أعيش في عالم تضيئه الشاشات وتتحكم فيه الخوارزميات، صرت مقتنعاً أن هذه العبارة لم تعد صحيحة. فالنفط الجديد الذي يُشعل اقتصادات القرن الحادي والعشرين ليس في باطن الأرض، بل في أعماق الإنترنت. إنه البيانات. تقول مجلة The Economist في عددها الشهير عام 2017 إن “البيانات هي النفط الجديد للعصر الرقمي”، لأنها أصبحت المورد الأهم الذي تعتمد عليه الشركات في النمو، والحكومات في اتخاذ القرار. 

خلال السنوات الأخيرة فقط، بدأنا ندرك مدى صحة هذا التشبيه: شركات مثل أمازون وغوغل وميتا أصبحت قيمتها السوقية تفوق قيمة شركات النفط الكبرى مجتمعة. وفقًا لتقرير McKinsey Global Institute لعام 2024، تقدر قيمة الاقتصاد القائم على البيانات عالمياً بأكثر من 3 تريليونات دولار سنوياً. فكل نقرة، وكل صورة، وكل عملية بحث هي "برميل صغير" من الذهب الرقمي الذي يُغذي اقتصاد العالم الجديد. 

في الماضي كانت الدول القوية هي من تملك الجيوش والموارد الطبيعية. أما اليوم، فالقوة تكمن في من يملك أكبر كمية من البيانات وأفضل قدرة على تحليلها. فمثلًا، كشفت دراسة لمركز Brookings Institution عام 2023 أن تحليل بيانات التنقل والاستهلاك يمكن أن يحدد توجهات الرأي العام بدقة تفوق استطلاعات الرأي التقليدية بنسبة 78%. ولهذا، تستثمر الحكومات الكبرى، من الصين إلى الولايات المتحدة، في بناء مراكز بيانات وطنية ضخمة، تشبه في أهميتها خزانات النفط في القرن الماضي. 

تتحول حياتنا إلى مورد اقتصادي، أدركت ذلك شخصياً ذات يوم حين طلب أحد التطبيقات على هاتفي إذناً للوصول إلى الموقع الجغرافي وقائمة الأصدقاء. لم أكن أدرك أن هذه المعلومات، التي أقدمها ببساطة، يمكن أن تُباع لاحقًا لشركات الإعلانات أو تُستخدم لتوجيه اختياراتي الشرائية وحتى السياسية. تقرير Pew Research Center لعام 2024 أشار إلى أن 81% من مستخدمي الإنترنت حول العالم يشعرون بأنهم فقدوا السيطرة على بياناتهم الشخصية، بينما تتزايد عمليات جمع المعلومات دون وعي المستخدمين الكامل بها. 

لقد أصبحنا نحن أنفسنا المورد، نحن السلعة التي تُباع وتُشترى عبر خوارزميات لا نراها. والفرق بين نفط الأمس وبيانات اليوم هو أن النفط كان يُستخدم لتوليد الطاقة، أما البيانات فتُستخدم لتوليد التنبؤ. فعلى سبيل المثال، تعتمد شركة Netflix على تحليل بيانات المشاهدة لتحديد أي نوع من الأفلام سينجح قبل إنتاجه، ما وفر عليها مئات الملايين من الدولارات. كما تستخدم شركات الطيران والمصارف البيانات الضخمة لتوقّع الأعطال أو الأزمات قبل وقوعها. 

بحسب تقرير Deloitte لعام 2024، فإن الشركات التي تعتمد على تحليل البيانات في اتخاذ القرار تحقق أرباحا أعلى بنسبة 23% من الشركات التي لا تفعل ذلك. البيانات إذن ليست مجرد أرقام، بل بوصلة اقتصادية وسياسية توجه حركة العالم الحديث. 

الوجه الآخر لهذه الثورة الرقمية أكثر تعقيدًا. فالتحكم في البيانات يعني أيضاً التحكم في الوعي العام والاختيارات الشخصية. تقرير World Economic Forum لعام 2025 حذر من أن تركز البيانات في يد عدد محدود من الشركات يخلق احتكاراً معرفياً قد يكون أخطر من الاحتكار الاقتصادي، لأن من يمتلك البيانات لا يعرف فقط ماذا نشتري، بل أيضاً كيف نفكر ولماذا نفعل ذلك. في الصين، مثلاً، تُستخدم البيانات لتقييم المواطنين عبر نظام النقاط الاجتماعية، حيث تُراقب سلوكهم عبر الإنترنت والحياة العامة. أما في الغرب، فالتجسس التجاري والإعلانات الموجهة تجعلنا نعيش داخل "فقاعات" معرفية مصممة حسب سلوكنا الرقمي. 

العالم العربي يدخل السباق لم يكن العالم العربي بعيدا عن هذا التحول. في السعودية مثلاً، أطلقت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) استراتيجيتها الوطنية للبيانات في 2023، بهدف جعل المملكة مركزاً عالمياً للبيانات والذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. وفي الإمارات، تعمل مبادرة "المدينة الذكية في دبي" على جمع وتحليل البيانات لتحسين الخدمات العامة وتحقيق الكفاءة في الطاقة والنقل. هذه الخطوات تشير إلى إدراك متزايد بأن من لا يمتلك بياناته سيبقى تابعا لمن يملكها. 

اكتشفت نفسي في خوادم الآخرين ذات مرة، طلبت من أحد مواقع التواصل أن يرسل لي ملف بياناتي الشخصية، وهو حق قانوني في بعض الدول. فوجئت أن الملف كان يحتوي على أكثر من 700 صفحة تضم كل منشور وصورة ورسالة تفاعلت معها خلال السنوات الماضية. كانت تلك لحظة وعي حقيقية، فكل ما كنت أظنه عابراً، محفوظ ومصنف ومؤرشف، أنا نسخة رقمية موجودة في خوادم لا أعرف مكانها. 

في الختام، أعيد وأكرر أن "من يملك البيانات يملك المستقبل". قد لا نملك حقول نفط، لكننا جميعاً ننتج تدفقات من "النفط الرقمي" كل يوم من خلال أجهزتنا. المعركة القادمة لن تكون على مصادر الطاقة، بل على مصادر المعرفة والمعلومات. وإذا كانت الدول العربية تريد حقًا أن تكون جزءاً من اقتصاد المستقبل، فعليها أن تبني سيادة رقمية حقيقية تحمي بيانات مواطنيها وتحوّلها إلى مورد وطني لا إلى عبء رقمي، فالبيانات اليوم هي الثروة، ومن يملكها يملك الغد.