"أروع ديكتاتور في التاريخ"
منذ توليه الحكم عام 2019 لم يتوقف رئيس السلفادور نجيب بوكيلة عن إثارة الجدل داخل وخارج بلاده. فهو يصف نفسه بـ “أروع ديكتاتور في التاريخ”، بينما تصفه منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية" بأنه من أكثر القادة قمعا في العالم الحديث. في تقرير نشرته خلال يونيو 2022، وُثقت "العفو الدولية" اعتقالات جماعية وانتهاكات ممنهجة في إطار "حالة الاستثناء" التي أعلنها بوكيلة لمكافحة العصابات، أما وكالة رويترز فأشارت خلال ديسمبر 2023 إلى أن السلفادور تشهد تراجعا مقلقا في مؤشرات حقوق الإنسان بعد أن تجاوز عدد المعتقلين 70 ألفا خلال أقل من عامين، وفي المقابل لا يخفي أنصاره فخرهم بما يسمونه “المعجزة الأمنية”.
خلال مؤتمر صحفي شهير قال بوكيلة متحديا الانتقادات: "يقولون إننا سجنّا الآلاف، وأنا أقول إننا حرّرنا الملايين". كلماتٌ التقطها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإعجاب، حتى أنه سأله ضاحكًا، هل أستطيع أن أستخدمها؟ كما نقلت صحيفة الغارديان في تقريرها حول العلاقة الخاصة بين الزعيمين.
كانت سان سلفادور تُوصف بـ "عاصمة القتل في العالم"، لكن اليوم يتباهى بوكيلة بأن بلاده أصبحت "الدولة الأكثر أمانًا في نصف الكرة الغربي". الثمن كان باهظاً، قمعٌ شديد، تكميمٌ للأفواه، وتوسيعٌ غير مسبوق للسلطة التنفيذية.
في 31 يوليو 2025 صادق البرلمان السلفادوري على تعديل دستوري ألغى قيود الولاية الرئاسية، وسمح بإعادة انتخاب الرئيس لعدد غير محدود من المرات، مع تمديد الولاية إلى ست سنوات. وبحسب "أسوشييتد برس" فقد تم التعديل "بسرعة غير مسبوقة وبتأييد ساحق من حزب الرئيس". القرار فتح الباب أمام بوكيلة ليحكم البلاد إلى أجل غير مسمى، وفق وصف صحيفة "واشنطن بوست" التي اعتبرت أن الخطوة تنهي فعليا فكرة تداول السلطة في السلفادور.
أبدى بوكيلة إعجابا خاصا بالرئيس ترمب حتى أنه وصفه ذات مرة بأنه “القائد الذي يفهم كيف تُدار الدول لا كيف تُدار الحملات”. وفي المقابل وصف ترامب بوكيلة بأنه “أحد أصدقاء أميركا المخلصين". ورغم هذا التقارب لا تخلو العلاقة من التوترات إذ طالب نواب ديمقراطيون في الكونغرس عام 2025 بإجراء مراجعة لملف حقوق الإنسان في السلفادور، بسبب تقارير عن سوء معاملة السجناء، ولا سيما المهاجرين الفنزويليين.
ظهر "الدكتاتور الرائع" على المسرح الدولي مؤخرا من خلال حضوره قمة شرم الشيخ للسلام في غزة، لا يمكن قراءة ذلك بمعزل عن سياسته الداخلية. الرجل الذي أحكم قبضته على بلاده يسعى اليوم إلى تثبيت صورته كـ "زعيم عالمي" قادر على الجلوس مع الكبار. قد يكون هدفه الحقيقي ليس دعم اتفاق السلام بل تجميل صورته أمام المجتمع الدولي، وإعادة تقديم نفسه كقائدٍ براغماتي لا كطاغية معزول.
مهما يكن، فإن صعود بوكيلة من ابنٍ لعائلة فلسطينية مهاجرة إلى زعيمٍ يُشيد به ترمب ويخشاه معارضوه، يطرح سؤالًا أكبر: هل يشهد العالم ميلاد نموذج جديد من "الديكتاتورية المحبوبة" التي تُخدّر الشعوب بالأمن، وتُبرر القمع بالنتائج؟