عدن.. بوصلة استعادة الدولة

26 October 2026
alhryryhsn267@gmail.com
حسن الحريري
تابع الكاتب عبر :

تتربع مدينة عدن على مفترق طرق التاريخ والجغرافيا، لا كجرد حيز مكاني على خارطة السواحل الجنوبية للمنطقة فحسب، بل كمعادل موضوعي لروح الدولة المفقودة، ومركز الثقل الاستراتيجي الذي تتكسر عنده كل محاولات طمس الهوية الوطنية أو حرف المسار التاريخي للتحولات السياسية. وحين تُطرح اليوم معادلة "استعادة الدولة" وتصحيح الاختلالات المتراكمة، تبرز عدن تلقائياً بوصفها النقطة الجوهرية التي تبدأ منها الحكاية وإليها تنتهي، باعتبارها الميزان الدقيق الذي يضبط إيقاع التوازن السياسي والعسكري والاقتصادي في البلاد ككل.

إن قراءة المشهد المعقد الذي تمر به المنطقة تعتمد بالدرجة الأولى على فهم طبيعة عدن واستيعاب دورها التاريخي الممتد عبر عقود. فالمدينة لم تكن يوماً مجرد هامش جغرافياً أو محطة عابرة في صنيع الأحداث، بل كانت باستمرار صانعة المبادرات، ومحرك التحولات الجذرية، والترميز الفعلي لمفهوم المدنية وسيادة القانون. ومن هنا، فإن الحديث عن أي مشروع سياسي يستهدف النهوض والاستقرار يظل ناقصاً وشكلياً ما لم ينطلق من عدن كقاعدة صلبة، ويعيد الاعتبار لها كمؤسسات وكرجال دولة وكبنية مجتمعية قادرة على قيادة الدفة نحو شواطئ الأمان.

لا يمكن فهم مكانة عدن الاستراتيجية بمعزل عن موقعها الجغرافي الفريد الذي وهبها إياه الخالق؛ فهي تشرف بصورة مباشرة وحاسمة على نافذة باب المندب وعلى امتداد خليج عدن، وهو الممر الحيوي الذي يربط بين الشرق والغرب، ويتحكم بدرجة كبيرة بنبض الملاحة البحرية والتجارة الدولية. هذا الموقع الاستثنائي جعل منها على مر العصور جوهرة الصراع الدولي ومحط أنظار القوى الإقليمية والدولية الباحثة عن التأثير في خطوط إمداد الطاقة والتجارة العالمية.

إن هذا البعد الجيوسياسي يمنح عدن قيمة مضاعفة في معادلة استعادة الدولة؛ إذ إن السيطرة عليها وتأمينها وتفعيل مؤسساتها لا يعني فقط حماية المكتسبات المحلية، بل يعني أيضاً إرسال رسالة تطمين واضحة للعالم ومؤسساته الدولية بأن الدولة قادرة على حماية المعابر المائية، ومكافحة القرصنة والإرهاب، وتأمين حركة التجارة العالمية. وبناءً عليه، فإن أي تراخٍ في دعم عدن أو تركها لقمة سائغة للاختلالات الأمنية والاقتصادية سينعكس سلباً وبشكل مباشر على الأمن الساحلي والإقليمي برمته.

تاريخياً، كانت عدن دائماً هي البوابة التي تُصاغ منها التحولات الاقتصادية والسياسية الكبرى في المنطقة. فمنذ عقود طويلة، عرفت المدينة بكونها ميناءً عالمياً حراً ومقصداً للتجار والرحالة من مختلف بقاع الأرض، مما أكسبها طابعاً مدنياً متفتحاً يتجاوز الأطر الضيقة. واليوم، ليست عدن مجرد عاصمة مؤقتة لممارسة السلطة الإدارية، بل هي الركيزة الكفيلة بإنتاج القرار السيادي المستقل متى ما تعافت من أوزار الصراعات وتراكمات العقود الماضية. إن تحصين عدن اقتصادياً وأمنياً وتنموياً يمثل الخطوة الأولى والضرورية لأي مشروع وطني صادق يسعى لبناء دولة حقيقية تقوم على الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية.

في خضم المتغيرات المتسارعة والمشهد السياسي المتشابك الذي تحكمه التجاذبات المتباينة، تبرز عدن كمحور حاسم لتثبيت مداميك الفعل المؤسسي وإعادة صياغة الخارطة السياسية. فحيث تتعدد الأجندات وتتقاطع الرؤى والتصورات حول شكل المستقبل، تظل عدن هي الصوت الأكثر تعبيراً عن تطلعات الداخل، والركيزة الأساسية التي يُبنى عليها أي توافق وطني أو شراكة سياسية متوازنة.

لقد أثبتت الوقائع والأحداث التراكمية أن أي محاولة لتجاوز عدن أو تهميش دورها الريادي أو التعاطي معها كصندوق بريد أو ساحة لتصفية الحسابات الجانبية، سرعان ما تنكسر وتفشل أمام وعي أبنائها وصلابة قواها الاجتماعية والسياسية. فعلى مدى التاريخ الحديث، أثبت المجتمع العدني قدرة فائقة على الصمود والتكيف، وحافظ على نواته المدنية الثابتة رغم كل محاولات التغريب الجسري والتغيير الديموغرافي والمؤسسي التي تعرض لها.

من هنا، فإن العمل الجاد والمخلص لاستعادة الدولة يتطلب إعادة الاعتبار الفعلي لعدن؛ ليس فقط من خلال عقد الاجتماعات الرسمية فيها أو جعلها مقراً مؤقتاً للوزارات، بل عبر تمكين مؤسساتها المحلية، وتفعيل أجهزتها القضائية والأمنية، وإسناد إدارة شؤونها لكوادرها الأكاديمية والمهنية المشهود لها بالكفاءة والنزاهة. إن هذا التمكين المؤسسي هو الكفيل بتخليص العمل السياسي والوطني من حالة التخبط والتشظي، وهو النافذة الحقيقية لإعادة صياغة نموذج حكم رشيد يقتدى به في باقي المناطق والمحافظات.

غالباً ما تعرضت وتتعرض "بوصلة التحرير" ومسار استعادة الدولة لمحاولات متعددة للحرف والانحراف، سواء أكان ذلك عبر افتعال المعارك الجانبية والمعارك الصفرية بين المكونات الوطنية، أم من خلال إشغال الجبهات الحيوية والمؤسسات بما يخدم مشاريع الاستنزاف البطيء وإطالة أمد الأزمات. وهنا بالذات تبرز الوظيفة التاريخية والاستراتيجية لعدن بوصفها "البوصلة الحقيقية"؛ فهي المؤشر القياسي الذي يحدد بدقة متناهية أين تكون الوجهة الفعلية نحو إسقاط المشروعات الفئوية والانقلابية وبناء الدولة المؤسسية الحديثة.

إن استعادة القرار السيادي المفقود ومواجهة كافة المخططات التي تسعى لفرملة بناء المؤسسات وتفتيت النسيج الاجتماعي لا يمكن أن ينطلق من فراغ، ولا يمكن تحقيقهما عبر الشعارات الإنشائية والبيانات الصحفية، بل يحتاجان بالضرورة إلى ارتكاز مادي وسياسي وأمني على أرضية صلبة وآمنة ومستقرة. ولا يوجد مكان توفرت وتوفرت فيه المقومات الموضوعية لهذه القاعدة المادية مثل عدن، متى ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة لتطهير بيئتها من الصراعات النفعية الضيقة، وتوحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلة واحدة وقيادة مؤسسية موحدة.

عندما تتحصن عدن بالوعي الجمعي، وتتكاتف جهود أبنائها كافة مع مختلف القوى الفاعلة لتغليب المصلحة الوطنية العليا على المكتسبات الفردية والحزبية والمناطقية، تتحول المدينة فوراً من مجرد مركز حضري يئن تحت وطأة أزمات الخدمات والكهرباء والغلاء، إلى رافعة استراتيجية قاطرة تقود المشروع الوطني الشامل نحو غاياته التحررية والتنموية النهائية.

إن ميزة عدن الفريدة التي تجعلها خياراً لا بديل عنه في معادلة استعادة الدولة تكمن في إرثها الثقافي والاجتماعي والمدني؛ فعدن كانت وما زالت منارة للتعددية، وحاضنة لكل أطياف المجتمع، وبيئة طاردة للتعصب المذهبي والمناطقي. إن العقل الجمعي العدني نشأ على احترام القانون، وتقبل الآخر، والاعتزاز بقدسية الوظيفة العامة وحرمة المال العام، وهي قيم تشكل الجوهر الأساسي الذي تُبنى عليه أركان أية دولة حديثة.

هذه التركة الثقافية والاجتماعية هي الحصن المنيع الذي يراهن عليه الجميع لاستعادة دولة المؤسسات؛ إذ إن بناء الدول لا يتوقف عند حدود حشد القوات وتدقيق الميزانيات، بل يتأسس بالدرجة الأولى على الإيمان بالدولة كفكرة وكقيمة أخلاقية وحضارية. وعدن، بما تملكه من إرث صحفي ونقابي وأكاديمي وثقافي، تعتبر المختبر الحقيقي لإحياء هذه الفكرة ونشرها على امتداد جغرافية البلاد.

لذا، فإن حماية الهوية العدنية وتأمين مناخ الحرية والتعبير المسالم فيها، وإحياء مؤسساتها الثقافية والتعليمية التي طالها الإهمال والتحريف، يمثل جزءاً أصيلاً ولا يتجزأ من معركة استعادة الدولة. إن الاستثمار في العقل العدني وفي التراث المادي والمعنوي للمدينة هو استثمار مباشر في مستقبل الاستقرار والازدهار والمدنية.

إن الحديث عن عدن بوصفها مركز ثقل وبوصلة لاستعادة الدولة ليس مجرد إنشائيات بلاغية أو تغنٍ بعاطفة المكان، بل هو تشخيص استراتيجي واستحقاق موضوعي يفرض على كافة صناع القرار، والشركاء الإقليميين، والدول الراعية، قراءة المشهد بعمق وبصيرة نافذة.

تقف عدن اليوم أمام استحقاقها التاريخي الأكبر: أن تنفض عن كاهلها غبار الحروب المتلاحقة ومشاريع الإفشال الممنهج، لتتحول بجهود المخلصين إلى نموذج ملهم ومشرق للسلام والاستقرار والتنمية ودولة المؤسسات. إن تحويل عدن إلى بيئة جاذبة للاستثمار، وتأهيل مينائها ومطارها وبنيتها التحتية المتهالكة، وتوفير الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصحة، ليس مجرد مطالب خدمية مشروعة للمواطنين، بل هو فعل سياسي بامتياز يثبت قدرة الدولة الشرعية على إدارة المناطق المحررة وتقديم نموذج منافس ومتفوق يجذب بقية الأقاليم والمحافظات.

إن نجاح التجربة في عدن هو المقياس الحقيقي لنجاح المشروع الوطني بكامله. فإذا استقرت عدن وازدهرت وانتظمت فيها الحياة الاقتصادية والقضائية، سيتخلق أمل جديد وعريض في إمكانية تعميم هذه التجربة وبناء دولة مواطنة متساوية تتسع لجميع أبنائها دون استثناء أو تمييز.

ختاماً، تبقى عدن هي الرقم الأصعب والعنوان الأبرز في معادلة الصراع والسلام؛ فبين عبقرية موقعها الجغرافي، وصلابة وعي أبنائها، ورمزيتها التاريخية، تظل هذه المدينة الشامخة هي البداية والمنتصف والنهاية. من ساحلها تُقرأ خارطة المستقبليات العسكرية والسياسية، وإليها ترتد بوصلة الخلاص والاستقرار متى ما صدقت النوايا، وتوحدت الإرادات، وتكاتفت الجهود الصادقة نحو بناء الدولة، وتحقيق العدالة، وصناعة الغد المأمول.