السعودية وطن الجميع
هناك أوطان تولد من الجغرافيا، وأوطان أخرى تصنعها المواقف. وبين اليمن والسعودية، لم تكن الجغرافيا يومًا مجرد حدود تفصل بين بلدين؛ فقد كان الجوار أعمق من خطوط الخرائط، وكانت وشائج القرب والتاريخ والمصير المشترك أقوى من أن تختصرها العلاقات الرسمية أو تحصرها الظروف السياسية المتغيرة.
حين يتحدث اليمنيون عن المملكة العربية السعودية، فإنهم لا يتحدثون عن دولة جارة فحسب، ولا عن بلد احتضن ملايين اليمنيين في مراحل مختلفة، وإنما يتحدثون عن مساحة واسعة من الذاكرة المشتركة، وعن مواقف كثيرة حضرت فيها السعودية إلى جوار اليمن، دولةً وشعبًا وإنسانًا، في أوقات لم تكن فيها الحاجة إلى الأخوة مجرد شعار.
السعودية وطن الجميع. وهي عبارة لا أريد لها أن تكون مجاملة عابرة، بل عنوانًا لمعنى أكبر: أن الوطن قد يكون المكان الذي تولد فيه، وقد يكون المكان الذي تجد فيه الأمان حين تضيق بك ظروف وطنك، وقد يكون أيضًا ذلك البلد الذي لا يغلق بابه أمامك حين تكون في أمسّ الحاجة إلى من يفهم ظروفك ويقدر إنسانيتك.
ولعل اليمنيين أكثر من يعرفون هذا المعنى. ففي مراحل مختلفة، فتحت المملكة أبوابها أمام اليمنيين للعمل والإقامة والتعليم والعلاج والحياة، وظلت المملكة بالنسبة إلى أجيال متعاقبة من اليمنيين فضاءً للرزق والاستقرار وبناء المستقبل، ولم يكن ذلك منفصلًا عن عمق العلاقة بين الشعبين. وفي مراحل الأزمات، لم تتوقف المواقف السعودية عند حدود الاستضافة أو الدعم الإنساني، بل امتدت إلى إجراءات ومبادرات هدفت إلى مساعدة اليمنيين على تجاوز ظروف استثنائية فرضتها عليهم الحرب والاضطرابات.
من أبرز الشواهد على ذلك ما اتخذته المملكة من إجراءات لتصحيح أوضاع اليمنيين المقيمين بطرق غير نظامية، وما ترتب عليها من تسهيلات وإتاحة أوضاع نظامية تحفظ للإنسان كرامته وتمنحه فرصة الاستقرار والعمل وفق الأنظمة والضوابط.
لم يكن الرقم هو القصة كلها. القصة الحقيقية كانت في الإنسان الذي شعر أن ظروف الحرب والاضطراب التي دفعت به إلى وضع استثنائي لم تسلبه حقه في أن يجد معاملة تحفظ كرامته وتخفف عنه وطأة الظروف. وهنا تتضح قيمة الموقف؛ فالدول قد تقدم المساعدة، لكن المواقف التي تلامس حياة الإنسان مباشرة هي التي تبقى في الذاكرة. والمملكة لم تكن حاضرة إلى جانب اليمنيين في الخارج فحسب، بل ظلت حاضرة إلى جانب اليمن نفسه، دولةً وشعبًا، في أصعب مراحله. ففي الوقت الذي يواجه فيه اليمن تحديات اقتصادية وتنموية قاسية، لم تتوقف المملكة عن دعم اليمن على مستوى الدولة والمؤسسات والخدمات والتنمية، وقدمت خلال السنوات الماضية دعمًا اقتصاديًا مباشرًا، وأسهمت في مساعدة الحكومة اليمنية على الوفاء بالتزاماتها ودعم الرواتب والنفقات والخدمات الأساسية.
لكن السعودية لم تكتفِ بأن تكون حاضرة في لحظة الأزمة، بل اتجهت أيضًا إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن لليمن أن يستعيد قدرته على الوقوف؟ وهنا تأتي المشاريع التنموية التي ينفذها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في قطاعات الصحة والتعليم والطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية، إلى جانب الجهود الإنسانية والإغاثية التي يضطلع بها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في مناطق يمنية متعددة. وهذا هو الفارق بين مساعدة تنتهي بانتهاء الحاجة، ودعم يريد أن يحول الحاجة إلى قدرة، والأزمة إلى فرصة، والاعتماد إلى تنمية. إن المملكة حين تقف إلى جانب اليمن، فهي لا تتعامل مع اليمن بوصفه ملفًا سياسيًا عابرًا، ولا مع اليمنيين باعتبارهم أرقامًا في بيانات المساعدات. إنها تتعامل مع جار وشقيق وشعب تربطه بها وشائج لا يمكن اختزالها في ظرف سياسي.
أجمل ما يمكن أن يقال عن العلاقة السعودية اليمنية ليس أنها علاقة مصالح مشتركة فحسب؛ فالمصالح قد تتغير، وليس أنها علاقة جوار فقط؛ فالجوار تحدده الجغرافيا، وإنما هي علاقة مصير مشترك ومسؤولية أخوية متبادلة. والوفاء هنا ليس أن يشكر اليمني السعودية لأنها قدمت له مساعدة في يوم ما، وإنما أن يتذكر أن وراء كل موقف سعودي قصة إنسان، وأسرة، وطفل، وطالب، ومريض، وموظف، ومؤسسة، ومدينة، ووطن بأكمله يحاول أن يعبر من أزمته إلى مستقبل أكثر استقرارًا. ولأن الوفاء لا يكون للمواقف الصغيرة، فإن من حق السعودية على اليمنيين أن يتذكروا مواقفها الكبيرة. ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف أن العلاقة بين البلدين لم تكن مجرد صفحات في كتب السياسة، بل كانت أيضًا حكايات إنسانية عاشها ملايين اليمنيين في المملكة، وشهدتها مدن وقرى ومؤسسات في اليمن.
شكرًا للسعودية. ليس لأن هناك مناسبة تفرض علينا أن نقولها، ولا لأن موقفًا واحدًا استدعى هذه الكلمات، وإنما لأن بعض المواقف أكبر من أن ترتبط بمناسبة، وأعمق من أن تختصرها عبارة. شكرًا لبلدٍ ظل قريبًا من اليمن في مراحل مختلفة، ولقيادة جعلت دعم اليمن واستقراره وتنميته جزءًا من رؤية أوسع للأمن والسلام في المنطقة. وشكرًا لشعب سعودي عرف اليمنيين عن قرب، وشاركهم تفاصيل الحياة والعمل والجيرة والمصاهرة والصداقة، حتى أصبح وجود اليمني في المجتمع السعودي صورة طبيعية من صور القرب الإنساني بين شعبين شقيقين.
ولليمنيين أيضًا مسؤولية في حفظ هذه العلاقة؛ فالوفاء لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بأن يكون اليمني حيثما كان سفيرًا حسنًا لوطنه، مقدرًا للبلد الذي احتضنه، حريصًا على أمنه واستقراره وأنظمته ومكتسباته. ذلك أن الأخوة الحقيقية ليست أن يأخذ طرف من الآخر، وإنما أن يحفظ كل طرف للآخر مكانته وحقه وكرامته.
في نهاية المطاف، قد تتبدل الظروف، وتتغير الحكومات، وتتغير الملفات السياسية والاقتصادية، لكن شيئًا واحدًا ينبغي ألا يتغير: أن يبقى اليمن والسعودية شعبين شقيقين، يجمعهما الجوار، ويشد أزرهما التاريخ، ويوحد بينهما المصير. ولذلك أقولها، لا بصفتي كاتبًا يبحث عن عنوان لمقال، وإنما بلسان كثير من اليمنيين الذين يعرفون معنى أن تجد في وقت الشدة من يقف إلى جوارك: السعودية وطن الجميع.. ووطنٌ يعرف اليمنيون قبل غيرهم كيف يكون الوطن حين تصنعه المواقف.