هل نريد الشهرة أم أن يرانا أحد؟
جميعنا كنا نُسأل صغارا: ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟ فنجيب طبيبا، أو طيّارا، أو معلّمة... اليوم يجيب كثيرون من الأطفال بكلمة واحدة: مشهورا. لا يذكرون بماذا، ولا لماذا، فالمهم أن يعرفهم الناس. وحين يكبرون، يعرف أحدهم، قبل أن يشرب قهوته، كم شخصا رأى ما نشره أمس. فرقم صغير في زاوية الشاشة صار يقرر مزاج يومه، وما عدّه الإنسان دائما شعورا خاصا، أن يُرى ويقدَّر، صار يُعدّ ويُقاس.
منذ بزوغ فجر الحضارات، أراد الشاعر لاسمه أن يُحفظ، والكاتب لكلماته أن تُقرأ، والسياسي لذكره أن يبقى. وليس في ذلك عيب؛ إنه وجه من وجوه بحثنا عن معنى لوجودنا. الجديد أن التكنولوجيا جعلت الاعتراف قابلا للقياس. فبعد أن كان المرء ينتظر سنوات ليعرف هل بلغ عمله الناس، صار الرقم يخبره في دقائق. وهكذا تحولت الحاجة القديمة إلى اقتصاد كامل للانتباه، وصار الظهور قيمة قائمة بذاتها.
وفي هذا مفارقة. كان الإنسان يتقن عمله لأنه يريد أن يكون جيدا فيه؛ أما اليوم فقد يبدأ من سؤال آخر: هل سيشاهده أحد؟ الرحلة تُوثَّق قبل أن تُعاش، والنجاح يُعلَن قبل أن يهدأ قلب صاحبه من الفرح، وحتى الحزن قد يصير حكاية أمام جمهور. كأننا لم نعد نكتفي بأن نعيش التجربة، بل نطلب لها شاهدا.
ولا أريد أن أظلم الناس بالتعميم؛ فمشاركة التجارب من أصدق أشكال التواصل. غير أن الخلل يبدأ حين يتحول الآخرون من شركاء في التجربة إلى مقياس لقيمتها، فلا نعود نسأل "هل أنا سعيد؟" بل "هل أبدو سعيدا؟".
وهنا تدخل المقارنة. تفتح هاتفك فترى من يسافر بلا انقطاع، ومن خلفه عشرات الآلاف، ومن يعيش كأن التعب والفشل والانتظار لا تعنيه. لا ترى إلا النسخة التي اختاروا عرضها، ثم تضعها إلى جانب حياتك الحقيقية بفوضاها وأيامها العادية، فتخسر المقارنة قبل أن تبدأ.
من هنا أفهم جزءا من هوس الشهرة. أظن أن كثيرين لا يطلبونها هي، بل ما يقف خلفها: الاعتراف، والقبول، والطمأنينة إلى أن وجودهم ترك أثرا. وهم يحسبون أن معرفة الناس بهم برهان على قيمتهم، وليست كذلك. فمن بنى قيمته كلها على التصفيق يظل مدينا له بالمزيد، والشهرة حين تكون مصدر القيمة الوحيد لا تُشبع، لأنها تطلب كل يوم جرعتها من الاعتراف.
وليست هذه الحاجة وليدة الشاشات؛ فنحن نعرف منذ زمن بعيد سطوة "شو بيقولوا الناس"، وكم من قرار في بيوتنا اتُّخذ إرضاء لعيون الجيران لا لقلب صاحبه. تغيّر الشكل فحسب: اتسع الجمهور، وأسرع الحكم، وصار للإعجاب رقم. غير أن الأخطر أن في هذه الحاجة اليوم من يربح منها؛ فالمنصات لم تخلقها، لكنها بنت اقتصادها على جوعنا إلى أن نُرى، وكل لحظة قلق نقضيها في انتظار إعجاب تُحسب لها ربحا. ومع ذلك لا يصحّ أن نحمّل الظهور كله وزرا واحدا؛ فهو عند بعضهم صوت لم يجد منبرا غيره، وباب رزق لم تفتحه لهم الأبواب الأخرى.
لا عيب في أن تأتي الشهرة ثمرة لعمل حقيقي. المشكلة أن تصبح معرفة الناس بك أهم من معرفتك بنفسك. فالإنسان كان موجودا قبل أن تلتقطه الكاميرا، وقبل الإعجاب الأول، وقبل أن يفتح حسابا على أي منصة.
نحتاج فعلا أن يرانا الآخرون؛ هذه حاجة بشرية لا تُنكر. لكن أكثر الناس لا يريدون الشهرة. يريدون لوجودهم معنى، ومن يفهمهم، وأثرا يتركونه في حياة إنسان آخر.
وقد لا يحتاج الإنسان إلى أن يعرفه الجميع بقدر حاجته إلى أن يعرفه أحد حقّا؛ أحد يراه بعيدا عن الصورة التي يعرضها، وعن الأرقام التي تحيط به. يراه كما هو.
وفي عالم يزداد فيه الظهور كل يوم، لن يكون الأثمن أن يعرفنا الجميع، بل أن نجد من يرانا حقّا.