حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة
ليس العفو العام، في مفهوم دولة القانون، مجرد وسيلة لإخلاء السجون أو إنهاء عدد من الملفات العالقة أمام القضاء. فالعفو العام تشريع استثنائي شديد الحساسية، لأنه يتدخل في نتائج أحكام قضائية، وقد يضع حداً لملاحقات جزائية لا تزال منظورة أمام المحاكم، فيسقط الملاحقة أو يمحو العقوبة بقرار تشريعي عام.
ومن هنا، فإن قانون العفو العام الأخير، وإن كان قد طُرح في إطار معالجة أوضاع السجون وبعض الحالات الإنسانية، يثير إشكاليات قانونية ودستورية جدية، تستوجب التوقف عندها، ولا سيما عندما يتجاوز العفو بالمعنى الضيق إلى تخفيض جماعي للعقوبات.
وقد اكتسبت هذه المسألة بعداً دستورياً بالغ الأهمية بعدما وضع المجلس الدستوري القانون موضع الرقابة الدستورية وأوقف مفعوله مؤقتاً، الأمر الذي يفتح الباب أمام إعادة النظر في مدى انسجام بعض أحكامه مع الدستور ومبادئ العدالة والفصل بين السلطات.
إن المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في تحديد الجرائم التي يشملها العفو، بل في فلسفة تخفيض العقوبات بصورة جماعية. فالعقوبة ليست رقماً حسابياً يُختصر بعدد السنوات فقط. هناك شخص ارتكب الجريمة، وهناك ظروفه، وسلوكه داخل السجن، ومدى خطورته، وإمكانية إعادة إدماجه في المجتمع.
ولهذه الأسباب، أنشأ القانون آليات خاصة لتخفيض العقوبات، تقوم على دراسة فردية لوضع المحكوم عليه، وتدخل فيها جهات قضائية وإدارية وطبية، بما يسمح بتقييم ظروفه الشخصية والسلوكية ومدى أهليته للعودة إلى المجتمع.
هنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان القانون قد أنشأ لجنة مختصة لتخفيض العقوبات، فلماذا يجري تجاوز هذه الآلية بتخفيض جماعي مسبق للعقوبات؟ فاللجنة لا تنظر فقط إلى المدة التي أمضاها السجين، بل إلى شخصيته وسلوكه ومدى إمكانية إعادة تأهيله، وهي مسائل لا يمكن أن يحسمها نص عام ينطبق على الجميع بالطريقة نفسها.
إن التخفيض الجماعي قد يؤدي إلى مساواة من لا تتوافر فيه شروط إعادة الاندماج مع من أثبت سلوكه أنه أصبح قادراً على العودة إلى المجتمع. والعدالة لا تعني المساواة الحسابية، بل المعاملة المتساوية في الحالات المتساوية والمختلفة في الحالات المختلفة.
من أخطر ما يثيره قانون العفو العام أنه يترك مسائل أساسية لتفسير القضاء والجهات المختصة بعد صدوره. ومن أبرز الأمثلة الجرائم المرتبطة بقانون مكافحة تبييض الأموال. فإذا كان القانون يستثني الجرائم المنصوص عليها في قانون تبييض الأموال، فهل المقصود كل جريمة وردت في ذلك القانون، أم فقط عندما يكون الشخص قد ادعي عليه أو حوكم فعلياً بجرم تبييض الأموال؟
ماذا عن الجريمة الأصلية التي قد تكون عائداتها أو أموالها موضع شبهة تبييض، من دون أن تكون هناك ملاحقة مستقلة بالتبييض؟ هذه ليست مسألة شكلية، بل مسألة تحدد نطاق العفو وتمس مباشرة حرية الإنسان.
الأمر نفسه ينطبق على التكرار. هل يكفي وجود ملاحقة سابقة للقول بالتكرار؟ أم أن التكرار، باعتباره مفهوماً قانونياً، يحتاج إلى حكم سابق تتوافر فيه شروطه القانونية؟ فلا يجوز أن يوضع شخص لا يزال متمتعاً بقرينة البراءة في المركز نفسه الذي يوضع فيه شخص صدر بحقه حكم جزائي مبرم وتوافرت بحقه شروط التكرار.
ثم يبرز السؤال الثالث: ما هو التاريخ المعتمد لتحديد نطاق العفو؟ إذا وضع القانون تاريخاً معيناً كحد زمني للاستفادة من العفو، فهل العبرة بتاريخ ارتكاب الجريمة؟ أم تاريخ انتهائها في الجرائم المستمرة والمتمادية؟ أم بتاريخ الادعاء؟ أم بتاريخ اكتشاف الجريمة؟ إن القوانين التي تمس الحرية الشخصية يجب أن تكون واضحة ودقيقة، وألا تترك مسائل جوهرية للتأويل المتفاوت.
ثمة مسألة أخلاقية وقانونية لا يجوز تجاهلها، هل يستوي من امتثل للقضاء ونفذ عقوبته، مع من بقي فاراً من وجه العدالة؟
إن النص الذي يؤدي عملياً إلى استفادة الهارب من النتيجة نفسها التي يستفيد منها من خضع للقضاء ونفذ العقوبة، قد يعطي رسالة خاطئة مفادها أن التهرب من تنفيذ الحكم لا يحمل بالضرورة ثمناً إضافياً. ولا يجوز أن تتحول الدولة، ولو بصورة غير مقصودة، إلى مكافأة من أفلت من تنفيذ العدال، ومن هنا، فإن أي تشريع للعفو يجب أن يميز بوضوح بين المحكوم الذي خضع للقانون وبين من اختار الفرار منه.
ثمة أمر أخر، فلا يمكن بناء العدالة الجزائية حول الجاني وحده. فالضحية لها حقوق لا تقل أهمية، وفي مقدمتها حقها في الوصول إلى العدالة وتنفيذ الأحكام القضائية والحصول على التعويضات والحقوق المدنية التي ثبتت لها.
قد يكون السجن، في بعض الحالات، الوسيلة العملية الوحيدة التي تدفع المحكوم عليه إلى تنفيذ التزاماته تجاه الضحية. فإذا أُسقطت العقوبة أو خُفّضت بصورة جماعية، قد تفقد الضحية جزءاً من وسائل الضغط التي يتيحها لها القانون لتنفيذ الحكم، خصوصاً عندما يكون المحكوم عليه قادراً على التنفيذ ولكنه يمتنع عنه.
ولا يجوز أن تتحول حماية الجاني من السجن إلى تحميل الضحية وحدها ثمن الجريمة. فالعدالة الجزائية لا تنتهي عند إطلاق سراح الجاني، بل يجب أن تراعي أيضاً حق الضحية في معرفة الحقيقة، وفي محاسبة المسؤول، وفي تنفيذ الحكم، وفي الحصول على حقوقها المدنية.
إن رفض العفو العام بصيغته الواسعة لا يعني إطلاقاً رفض حقوق السجناء. على العكس، إن من واجب الدولة أن تضمن لكل موقوف ومحكوم محاكمة عادلة، ضمن مهلة معقولة، أمام قضاء مستقل، بعيد عن أي تدخل سياسي أو ضغط من أي جهة كانت. فالموقوف الذي لم يصدر بحقه حكم نهائي لا يجوز أن يبقى سنوات ضحية البطء القضائي، كما لا يجوز أن يتحول الاكتظاظ في السجون إلى عقوبة إضافية لم يقررها القضاء.
إذا كانت هناك مشكلة حقيقية في أعداد الموقوفين والمحكومين، فالحل الجدي يبدأ من مكان آخر: تسريع المحاكمات، تفعيل القضاء، تأمين الإمكانات البشرية والمادية للمحاكم، احترام أصول المحاكمات، تعزيز استقلال القضاء، ومنع أي تدخل سياسي في عمل القضاة.
أما السجون نفسها، فهي تحتاج إلى إصلاح حقيقي: معالجة الاكتظاظ، تحسين الظروف الصحية والإنسانية، تأمين الرعاية الطبية والنفسية، تطوير برامج التأهيل وإعادة الإدماج، وضمان أن يكون السجن وسيلة لتنفيذ العقوبة وإعادة التأهيل، لا مكاناً للإهمال والانتظار.
إن معالجة أزمة السجون لا تكون بإصدار عفو عام كلما تراكمت الملفات. السجن يحتاج إلى إصلاح، والقضاء يحتاج إلى دعم، والموقوف يحتاج إلى محاكمة عادلة، والمحكوم يحتاج إلى فرصة لإعادة التأهيل، والضحية تحتاج إلى عدالة فعالة. وهذه كلها مسؤوليات الدولة.
عادة يصدر القضاء الأحكام، والتشريع يضع القواعد العامة. أما عندما يأتي التشريع ليزيل آثار عدد كبير من الأحكام القضائية أو ليخفض العقوبات بصورة جماعية، فإن السؤال يصبح مشروعاً حول الحدود الفاصلة بين السلطة التشريعية والوظيفة القضائية.
ولا يعني ذلك أن السلطة التشريعية لا تملك دستورياً صلاحية إصدار قوانين العفو؛ بل يعني أن استعمال هذه الصلاحية يجب أن يبقى ضمن حدود الدستور، وألا يتحول العفو إلى وسيلة للالتفاف على وظيفة القضاء أو التأثير في نتائجه بصورة متكررة.
المطلوب ليس التشدد من أجل التشدد، ولا إبقاء السجون مكتظة، بل إقامة عدالة تميز بين من يستحق فرصة جديدة ومن يشكل خطراً على المجتمع، وبين من نفذ حكم القضاء ومن تهرب منه، وبين حقوق الجاني وحقوق الضحية، وبين صلاحية المشرّع وصلاحية القضاء.
ومن هنا، فإن الأمل معقود على أن يؤدي المجلس الدستوري دوره كاملاً في الرقابة على القانون، وأن يصل، حيث تتوافر أسباب الطعن الدستورية، إلى إبطال النصوص المخالفة للدستور، أو إزالة أوجه الغموض والتعارض التي تمس الحقوق والحريات ومبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء.
إن الدولة القوية ليست الدولة التي تملأ السجون، كما أنها ليست الدولة التي تفرغها بقانون عفو. فالعدالة التي تُبنى على النص لا يجوز أن تُهدم بالنص، والسلطة التي يمنحها الدستور للمشرّع لا تعني أن يصبح المشرّع قاضياً، وإصلاح السجون لا يكون بإلغاء العدالة، بل بإعادة العدالة إلى مكانها الطبيعي.