كيف تخدعنا الأرقام في الاقتصاد والسياسة معًا؟
تخيل مسؤولًا اقتصاديًا خرج في مؤتمر صحفي وقال بثقة: «معدل التضخم انخفض من 30% إلى 15%.» على الورق، الجملة تبدو مبشرة. لكنك تذهب إلى السوق، فتجد الأسعار كما هي، وربما زادت. فتقول لنفسك: «يعني إيه التضخم نزل؟ أنا لسه بدفع أكتر!» وهنا يبدأ سوء الفهم. ليس لأن الرقم كاذب، ولا لأن المسؤول يكذب بالضرورة، وإنما لأننا نخلط بين شيئين مختلفين: مستوى الأسعار، وسرعة ارتفاع الأسعار. التضخم لا يقيس مستوى الأسعار، بل يقيس معدل تغيرها. فمثلا لو السلعة كان سعرها 100 جنيه، فأصبحت 130 جنيهًا في سنة. هنا ارتفع السعر بنسبة 30%. وفي السنة التالية أصبح 150 جنيهًا، أي ارتفع بنحو 15% مقارنة بالسنة السابقة. إذن، يمكن أن نقول إنه انخفض معدل التضخم من 30% إلى 15%، بينما في الواقع ارتفع سعر السلعة من 130 إلى 150 جنيهًا.
المواطن يرى أن الأسعار زادت، والمسؤول يقول إن سرعة الزيادة انخفضت. والاثنان يمكن أن يكونا على حق، لأن كلًا منهما يتحدث عن شيء مختلف. ببساطة، التضخم أقرب إلى عداد السرعة منه إلى عداد المسافة. إذا انخفضت سرعتك من 120 إلى 60، فهذا لا يعني أنك عدت إلى المكان الذي كنت فيه؛ أنت فقط أصبحت تتحرك بسرعة أقل. وبالمثل، انخفاض التضخم لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة، بل يعني أن ارتفاعها أصبح أبطأ. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. الرقم صح.. لكنه مش الحقيقة كاملة المشكلة لا تتوقف عند التضخم. المشكلة الأكبر أننا نتعامل مع الرقم وكأنه يتحدث وحده. لكن الأرقام لا تتحدث من تلقاء نفسها، فهناك دائمًا من يختار أي رقم سيظهر، وأي فترة زمنية ستتم المقارنة بها، وأي مؤشر سيُستخدم، وما الذي سيقال قبل الرقم وبعده، وما الذي سيظهر في مقدمة الصورة وما الذي سيبقى في التفاصيل.
وبالتالي قد يكون الرقم دقيقًا، والمصدر موثوقًا، والحسابات سليمة تمامًا، ومع ذلك يخرج الجمهور بفهم مختلف عن الصورة التي أراد صاحب الرسالة تقديمها. ليست المسألة بالضرورة كذبًا أو تلاعبًا مباشرًا. أحيانًا يكون كل ما قيل صحيحًا من الناحية الفنية، لكن طريقة اختيار الحقائق وترتيبها تمنحها معنى مختلفًا. وهنا ينتقل السؤال من: «هل الرقم صحيح؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «من يملك تفسير الرقم؟» قد ترى الحكومة في انخفاض التضخم مؤشرًا على تحسن مسار اقتصادي معين، بينما يرى المواطن في استمرار ارتفاع الأسعار أن أزمته اليومية لم تتغير. وقد يعرض الإعلام الرقم باعتباره تطورًا إيجابيًا، بينما يضعه طرف سياسي آخر داخل سياق مختلف. الرقم واحد، لكن القصة التي بُنيت حوله مختلفة.
وهنا تظهر فكرة أساسية في علوم الاتصال تُعرف بـالتأطير (Framing)، وتعنى أن الحدث لا يصل إلى الجمهور عاريًا من التفسير، وإنما داخل إطار يحدد أي جوانبه ستظهر وأيها ستتراجع إلى الخلفية. لذلك فالمسألة لا تتعلق فقط بالمعلومة التي نملكها، وإنما أيضًا بالإطار الذي نستخدمه لفهم هذه المعلومة. الكلمة مش وصف.. الكلمة زاوية نظر في السياسة، لا تقف المسألة عند الأرقام. الكلمات نفسها يمكن أن تصبح جزءًا من المعركة على المعنى. هل ما يحدث «حرب» أم «عملية عسكرية»؟ هل نتحدث عن «نزوح» أم «تهجير»؟ هل نصف طرفًا بأنه «مقاوم» أم «مسلح» أم «إرهابي»؟ وهل نصف تحركًا عسكريًا بأنه «دفاع عن النفس» أم «عدوان»؟ قد يبدو الأمر مجرد اختلاف في الكلمات، لكنه أعمق من ذلك. فكل كلمة تضع الحدث داخل إطار مختلف، وتمنح المتلقي زاوية معينة للنظر إليه قبل أن يبدأ أصلًا في تحليل التفاصيل. عندما تقول «حرب»، فأنت تضع الحدث في إطار مختلف عن «عملية عسكرية». وعندما تستخدم «تهجيرًا» بدلًا من «نزوح»، فأنت لا تغير الوصف اللغوي فقط، بل تستدعي سياقًا سياسيًا وقانونيًا وإنسانيًا مختلفًا.
الكلمة هنا لا تصف الواقع فقط؛ بل تؤثر أيضًا في الطريقة التي سيُفهم بها الواقع. ومن هنا يمكن فهم ما يسمى بـ«حرب المصطلحات». ففي الأزمات والنزاعات، لا تدور المنافسة فقط حول ما يحدث على الأرض، وإنما أيضًا حول اللغة التي سيُوصف بها ما يحدث أمام الرأي العام المحلي والدولي. والطرف الذي ينجح في فرض مصطلحاته لا يضمن بالضرورة حسم المعركة السياسية، لكنه يستطيع التأثير في الإطار الذي ستجري داخله هذه المعركة، وفي الأسئلة التي سيطرحها الجمهور، وفي الطريقة التي سيُقيّم بها الحدث. وأحيانًا.. الإطار يغيّر السؤال نفسه لا يقتصر الأمر على اختيار رقم أو مصطلح.
أحيانًا يتغير إطار النقاش بالكامل. ففي أوقات الضغوط الاقتصادية أو السياسية، قد يحتل الحديث عن التهديدات الخارجية، أو أمن الممرات، أو النفوذ الإقليمي، أو المخاطر الجيوسياسية مساحة أكبر في الخطاب العام. وهذا لا يعني تلقائيًا أن هذه التهديدات مختلقة، أو أن الحكومات تستخدمها عمدًا للهروب من مشكلاتها الداخلية. بعض هذه التهديدات قد يكون حقيقيًا وملحًا بالفعل. لكن السؤال الاتصالي يظل قائمًا: كيف تؤثر طريقة تقديم الخطر الخارجي في الطريقة التي يرى بها المواطن أزمته الداخلية؟ هنا يمكن للخطاب الخارجي أن يصبح أكثر من مجرد وصف لتهديد قائم. فهو قد يساهم أيضًا في إعادة ترتيب الأولويات في ذهن الجمهور؛ بحيث ينتقل التركيز من سؤال إلى آخر، ومن مشكلة داخلية إلى قضية أكبر تحيط بها.
المشكلة الداخلية لم تختفِ، لكن الإطار الذي ينظر الناس من خلاله إلى الواقع قد تغير. المشكلة ليست دائمًا في الكذب في السياسة والاقتصاد، لا تكمن المشكلة دائمًا في المعلومة الكاذبة. أحيانًا تكون المشكلة في المعلومة الصحيحة التي تُقدم خارج سياقها، أو في الرقم الصحيح الذي يحصل على مساحة أكبر من غيره، أو في المصطلح الذي يحدد إطار النقاش قبل أن يبدأ، أو في عبارة تبدو واضحة بينما تخفي وراءها خلافات لم تُحسم. وهكذا تصبح المنافسة في المجال العام أوسع من مجرد امتلاك المعلومات. إنها تمتد إلى من يفسرها، ومن يحدد المصطلحات التي نصف بها الأحداث، ومن يقرر ما الذي يستحق أن يظهر في العنوان وما الذي يبقى في التفاصيل، ومن يختار ما الذي يجب أن يُقال الآن وما الذي يمكن تأجيله. وهناك دائمًا من يحاول أن يحول أرقامًا ووقائع متفرقة إلى قصة متماسكة يستطيع الجمهور أن يفهم الواقع من خلالها.
في النهاية.. المواطن لا يعيش داخل جدول إحصائي بدأنا من مواطن يسمع أن التضخم انخفض، ثم يذهب إلى السوق فيجد أن الأسعار ما زالت ترتفع. وفي النهاية نكتشف أن المشكلة لم تكن في الرقم وحده، وإنما في الفارق بين ما يقيسه المؤشر وما يعيشه الإنسان، وبين المعلومة نفسها والقصة التي تُبنى حولها. المواطن لا يعيش داخل جدول إحصائي، ولا يقرأ الأزمة السياسية من خلال تقرير من مئات الصفحات. هو يسمع جملة، ويرى رقمًا، ويقرأ عنوانًا، ويشاهد صورة، ثم يبني منها قصة كاملة عن الواقع. ولهذا فإن الاتصال السياسي لا يدير المعلومات فقط؛ بل يدير المعنى الذي يتشكل حولها.
وربما لهذا فإن السؤال الأهم في زمن أصبحت فيه المعلومات متاحة للجميع لم يعد فقط: «هل نملك الحقيقة؟» وإنما أيضًا: «كيف ستُفهم هذه الحقيقة؟ ومن الذي سيحدد زاوية النظر إليها؟». في عالم السياسة، قد لا تكون المعركة دائمًا على الحقيقة نفسها. أحيانًا تكون المعركة على الرواية التي ستصبح بها الحقيقة مفهومة. قبل ما تصدق الرقم.. اقرأ القصة كاملة في المرة القادمة التي تسمع فيها رقمًا يبدو واضحًا أكثر مما ينبغي، لا تسأل فقط: هل الرقم صحيح؟، فالحقيقة لا تصل إلينا دائمًا كما هي؛ وهنا تكمن الفكرة كلها. الحقيقة تصل إلينا بعد أن تمر عبر اختيارٍ وترتيبٍ ولغةٍ وسياق. لذلك، عندما تسمع رقمًا، لا تكتفِ بأن تسأل: هل هو صحيح؟ ولكن اسأل أيضًا: من اختاره؟ وفي أي سياق قيل؟ وبأي كلمات قُدِّم؟ وما الذي بقي خارج الصورة؟ لأن أخطر ما في بعض الرسائل السياسية والاقتصادية ليس أن تكون كاذبة. بل أن تكون صحيحة... وتجعلك ترى جزءًا من الحقيقة وكأنه الحقيقة كلها.