الكلمة السحرية في عالم السياسة
تبادرت إلى ذهني الفكرة التالية: ماذا لو كان هناك رئيس، وزاره رئيس آخر، وفجأة ومن دون تمهيد طلب مساعدة مالية كبيرة، ماذا ستكون ردة فعل الرئيس حينها؟ حاولت التفكير مراراً في هذا الأمر، وقرأت كثيراً إلى أن توصلت إلى الخلاصة التالية: إن أي كلمة ستقال يجب أن تكون محسوبة، لأنها مثل الطلقة إذا خرجت من الصعب أن تعود.
الرئيس الضيف ينتظر إجابات، فما عسى الرئيس أن يقول؟ الإجابات يجب أن تنطلق من أساسيات السياسة، التي تقول إحدى تعريفاتها إنها "التوفيق بين المصالح المتعارضة".
الخيار هنا ليس القبول المتهور، ولا للرفض الفظ الذي يمزق خيوط الوصل ويمس العلاقات الدبلوماسية التي اعتبرها مصلحة أولى، ولذلك يبدو الحل بمسك العصا من المنتصف، عن طريق عبارات دبلوماسية من قبيل: "نقدر الظروف التي تواجهونها، ونشعر بما تشعرون به، وسنحاول إن كان بالإمكان مساعدتكم"، وفي مثل هذا الموقف، تحتاج الدبلوماسية إلى سرعة بديهة، وتجنب قول "لا" أو "نعم"، إنما الرد بالمنطقة الرمادية واختصارها المكثف كلمة "لعم"، التي تمزج بين "نعم" و"لا".
المصلحة الثانية هي الحفاظ على أموال الدولة، فأبرز مهام السياسي هي الإشراف على هذه الأموال، وأي تعهد سريع لدولة أجنبية يعني عملياً فرض قيود على الميزانية الحكومية، وقد لا يكون الرئيس مطلعاً كفاية على التفاصيل المالية، كما أننا نعيش في عالم يعج بالأزمات ويصعب التنبؤ بأحداثه، فقد تندلع أزمة في أي وقت، مما يعني فرض بنود طوارئ إضافية على الميزانية الحكومية.
في هذا الإطار، يمكن للرئيس مثلاً القول: "سأوجه السلطات المعنية لدراسة الطلب بكل جدية، أو دعونا ننقل هذا الأمر إلى الوزراء المعنيين"، لكن إن كان طلباً كبيراً مثل الحصول على قرض ضخم أو أسلحة ثقيلة، فالرد يكون أكثر حذراً كالقول:"الأمر يحتاج إلى دراسة متأنية".
إذن، بكلمات بسيطة تمكن الرئيس من تجاوز موقف محرج ولم يلزم نفسه بشيء، ولم يتخذ قراراً دون دراسته، وترك المجال للمناورة، وذلك عبر توفير الوقت للطواقم الحكومية. السياسة أيضاً هي فن كسب الوقت.
مهما بلغت سلطة الرئيس فإن أي قرار يحتاج إلى دراسة وموازنة بين خيارات متعددة بما لها وما عليها لتحقيق أقصى قدر من الفائدة. التجربة تؤكد أن لا قراراً يتخذ على عجل في السياسة، والتسرع هو أقصر الطرق للوقوع في المحظور.
السيادة شأن آخر لا يقل أهمية عما سبق، أي السلطة المطلقة للدولة في شؤونها، وإذا أردنا ترجمته في هذه الحالة، فإن إلحاح الرئيس الضيف على طلب المساعدة وموافقة الرئيس عليها فوراً يعنيان للبعض غياب استقلالية القرار، حتى لو كان الأمر من بوابة الاستجداء.
إن الاستجابة السريعة قد تستخدم سلاحاً من قبل خصوم الرئيس السياسيين في بعض الدول، كأن يقول المعارضون: "لماذا وافقت بهذه السرعة؟ أليست بلادنا أجدر بالمساعدات؟". حسابات الرئيس الداخلية تؤدي دوراً لا يمكن تجاوزه في العديد من القرارات. في العادة هناك عدة دوافع مختلفة الأوزان وراء القرارات السياسية، مثل تأثير العوامل الداخلية على القرارات الخارجية.
الأمر يختلف في حالة الكوارث، فالرد يكون أسرع لأن الوقت محدود جداً، ولكون المساعدات الإنسانية في هذه الحالة منخفضة الكلفة وأثرها في صورة البلاد الدولية كبيرة، فهل هناك صورة أفضل من أخ يمد العون لأخيه وقت الشدائد؟ إن السياسة هنا هي فن تحويل الأزمة إلى فرصة وبناء صورة إيجابية للدولة، وقد تكون المساعدات مدخلاً لمصالح في وقت لاحق. انظروا فقط إلى كمية المساعدات الدولية في حال الكوارث الطبيعية.
حسناً، إذا قال الرئيس الضيف إنه سيقدم مقابلاً لقاء المساعدات التي يطلبها، فما العمل إذن؟ لن يختلف الأمر كثيراً، فالمبدأ نفسه وهو لا قرار سريعاً، كما أن أي مقابل بحاجة إلى تقييم ودراسة جدوى للدولة، لكن قد يحتاج الرئيس إلى ذخيرة أخرى من الكلمات كالقول: "هذا أمر يمكن البناء عليه"، أو "أرى في الأمر فرصة".
طبعاً، قد يتكرر هذا الأمر كثيراً خلال الاحتجاجات أو زيارات الوفود المحلية إلى الرئيس، وقد لا تحدث قصتنا في هذا المقال على هذا النحو تماماً في الواقع، لكن السياسة مليئة بالمواقف التي لا يكون فيها "نعم" أو "لا" جواباً مناسباً في اللحظة الأولى، بل "لعم" هي الإجابة الصائبة.