ألواح إنليل بين اديسون والسلطان

19 October 2026
iraqinhistory@gmail.com
عبد السلام صبحي طــه
تابع الكاتب عبر :

في أواخر عام 1888، كان القس والباحث التوراتي الأميركي الدكتور جون بونيت بيترز في القسطنطينية، ممثلًا عن جامعة بنسلفانيا، يحاول استحصال أمر سلطاني (فرمان) من الباب العالي يسمح له بالتنقيب في مدينة نفّر القديمة. كانت مهمته، في ظاهرها، أثرية، لكنها كانت تحمل مشروعًا أكبر في داخلها: التنقيب عن التاريخ التوراتي في باطن بلاد الرافدين. غير أن الطريق إلى نيبور لم يكن سهلًا، واضطر الرجل في نهاية المطاف إلى الاستعانة باسم لم يكن متوقعًا أن يظهر في قصة تنقيبات أثرية: "توماس إديسون".

تأسس متحف جامعة بنسلفانيا للآثار والأنثروبولوجيا عام 1887، وكان القائمون عليه يتطلعون، شأنهم شأن المتاحف الكبرى الأخرى في أوروبا، إلى بناء مجموعات أثرية كبيرة من الشرق الأدنى، عبر تمويل الرحّالة والقناصل والبعثات والحفريات. وكانت نيبور، بما تمثله من أهمية دينية وتاريخية، واحدة من أكثر المواقع إغراءً للباحثين. فالمدينة، التي عُرفت بالسومرية باسم NIBRU، وبالأكدية Nippuru، هي نفّر في العربية، وكانت من أقدس مدن بلاد الرافدين، ومركز عبادة الإله إنليل ومعبده الكبير «إي-كور»، أي «بيت الجبل». كما ارتبط اسمها في النصوص بفكرة الصلة (الرابط او الحبل) بين السماء والأرض، وظلت مكانتها الدينية استثنائية حتى إنها لم تكن عاصمة سياسية، لكنها كانت مقصدًا للملوك طلبًا للشرعية والتأييد الديني. 

وصل بيترز إلى القسطنطينية في أيلول 1888، وبدأ مفاوضاته مع عثمان حمدي بِك، المسؤول عن الآثار في الدولة العثمانية ومؤسس المتحف السلطاني، ثم مع الصدر الأعظم، حتى وصلت القضية إلى السلطان عبد الحميد الثاني. وكانت المشكلة الأساسية أن العثمانيين لم يكونوا راغبين في السماح للأجانب بالحفر في أراضي الدولة، ثم شحن اللقى الأثرية إلى الولايات المتحدة. حاول بيترز مرارًا، لكن جهوده لم تثمر، وبدا أن مشروعه سيتعثر قبل أن يبدأ. وهنا لجأ إلى الحيلة؛ ففي تشرين الثاني من العام نفسه كتب إلى الجامعة: يبدو أن السلطان راغب بالحصول على واحدة من الفونوغرافات الجديدة التي طورها أديسون، وسيكون من الحكمة اقتناء واحدة وتسليمها إليه. 

كان الاقتراح جادًا. وعلى أثره فاتح عميد جامعة بنسلفانيا ومؤسس متحفها، الدكتور ويليام بيبر، توماس إديسون عبر البروفيسور جورج باركر، أستاذ الفيزياء في الجامعة وأحد داعمي مشاريع المخترع الأميركي. وبحسب المراسلات المحفوظة في أرشيف جامعة بنسلفانيا، أبدى إديسون استعداده لإرسال واحد من أفضل أجهزة الفونوغراف التي بحوزته إلى السلطان العثماني. وفي رسالة مؤرخة في 13 كانون الأول 1888، عبّر إديسون بنفسه عن موافقته على إرسال الجهاز، لكن السفير الأميركي في القسطنطينية، أوسكار شتراوس، نصحه بالتريث، إذ رأى أن تقديم الجهاز في ذلك التوقيت قد لا يخدم الغرض، وربما كان من الأفضل الاحتفاظ به لفرصة أخرى.

في عام 1889 حصل بيترز أخيرًا على الموافقة بالتنقيب في نيبور، وبدأت بعثة جامعة بنسلفانيا أعمالها في الموقع. ولا تكشف المراسلات، فيما نعلم، ما إذا كان الفونوغراف قد وصل فعلًا إلى السلطان أو ما إذا كان له دور مباشر في صدور الموافقة، لكن مجرد ظهوره في هذه القصة يكشف طبيعة ذلك الزمن؛ فالحفّار لم يكن يكتفي بالمعول والدفتر، بل كان يحتاج أحيانًا إلى الدبلوماسية، والمال، والعلاقات، وقليل من الحيلة.

أما ما خرج من تحت تراب نيبور فقد كان أعظم بكثير من مجرد مجموعة من اللقى. إذ كشفت البعثة عن آلاف الرقم الطينية التي تضمنت نصوصًا دينية ومدرسية وإدارية وفلكية ورياضية وأدبية، وكانت مكتبة معبد الإله إنليل، واحدة من أهم مكتبات العالم القديم. وقد بلغ عدد الرُقم المرتبطة بمكتبة نيبور نحو 23 ألف رقيم، لتصبح المدينة بذلك واحدة من أغنى مصادر المعرفة المكتوبة عن الحضارة الرافدينية. واستمرت حملات التنقيب في الموقع حتى عام 1900، قبل أن تتواصل أعمال لاحقة بالتعاون مع جامعة شيكاغو.

لكن قصة نيبور لا تنتهي هنا، إذ سرعان ما انتقل الصراع من مواجهة علماء الآثار مع السلطات العثمانية إلى مواجهة بينهم هم أنفسهم. برز عالم الآشوريات الألماني هيرمان فولرات هيلبرخت، الذي أصبح لاحقًا من أبرز شخصيات بعثة نيبور، ودخل في علاقة وثيقة مع عثمان حمدي بِك. وفي الوقت نفسه نشب خلاف حول حقوق الاكتشافات ونسبتها، خصوصًا بين هيلبرخت وزميله جون هنري هاينس. ووجهت إلى هيلبرخت اتهامات بالاستئثار ببعض المكتشفات ونسبها إلى نفسه، كما أثيرت أسئلة حول علاقته بعثمان حمدي بِك، ومنها منحه شهادة فخرية من جامعة بنسلفانيا وشراء لوحتين من أعماله بأسعار مرتفعة، إحداهما تصور مكتبة المعبد في نيبور.

وهنا يصبح من الصعب قراءة تلك الوقائع اليوم من دون التوقف عند ما كان يجري خلف واجهة العمل التنقيبي. هل كانت تلك الهدايا والمشتريات مجرد مجاملات دبلوماسية؟ أم كانت وسيلة لتسهيل العمل والحصول على امتيازات؟ أم أننا أمام ما يمكن تسميته ببساطة، ربما (رشوة؟)، وإن كانت مغلفة بالشهادات الفخرية واللوحات الفنية والمجاملات الأكاديمية؟ وفي كل الأحوال، فإنها تكشف أن حفريات بلاد الرافدين في ذلك الوقت، لم تكن مجرد مغامرات علمية بريئة، بل كانت تتحرك وسط شبكة من المصالح السياسية والمؤسساتية والشخصية، وكان ما يخرج من باطن الأرض جزءًا من صراع أكبر على امتلاك الماضي.

ومن مفارقات القدر، أن تنتهي قصة هيلبرخت باستقالته من جامعة بنسلفانيا عام 1910، في ذات العام الذي شهد وفاة عثمان حمدي بِك وجون هنري هاينس. وهذه تبدو، أشبه بلعنة إنليل، حامل ألواح الأقدار (الدُّپّ شيماتي / Tupšimati) التي حلت بمن نبشوا مدينته المقدسة.

أما نيبور فبقيت في مكانها، تحت تراب العراق، بينما انتقلت آلاف الرقم التي حفظت ذاكرة المدينة إلى خزائن ومتاحف بعيدة. وبعد أكثر من قرن، ما زلنا نقرأ رسائل بيترز وإديسون، ونستعيد أسماء السلطان عبد الحميد وعثمان حمدي بِك وهيلبرخت وهاينس، وننظر إلى ما خرج من مكتبة إنليل. وربما تكون هذه هي المفارقة الأكبر: أن اكتشاف الماضي العراقي لم يكن مجرد عملية حفر في الأرض، بل كان أيضًا صراعًا على من يملك حق اكتشافه، ومن يقرر مصيره، ومن يروي قصته.