مفهوم الدولة وبنيوية الكيانات الموازية

10 September 2026
ali.h.altaleb@gmail.com
علي آل طالب
تابع الكاتب عبر :

في سبتمبر عام 1940م، ظنّ رئيس الوزراء الروماني الجنرال "أنتونيسكو" أنه يمارس دهاء سياسياً حين فتح أبواب السلطة لمليشيات "الحرس الحديدي" العقائدية لشرعنتها ودمجها كشريك طارئ في إدارة الأزمة. كان قد توهم أن مؤسسات الدولة قادرة على احتواء السلاح غير النظامي واستخدامه كمخدر للشوارع الغاضبة ومواجهة الأخطار الخارجية. لم تمر سوى أشهر قليلة حتى اكتشف الجنرال أنه بات يوقع القرارات داخل قصر محاصر، بينما تقود المليشيا الشرطة الموازية، وتغتال حراس القانون من القضاة والسياسيين وتجري محاكماتها الميدانية في أزقة بوخارست تحت لافتة حماية العقيدة والوطن.

هذه الحكاية ليست مجرد صفحة مطوية من تاريخ شرق أوروبا؛ بل هي الوثيقة البنيوية المكررة مع كل سلطة تتوهم قدرتها على الرقص مع الكيانات الموازية. فالمليشيات غير النظامية والتنظيمات دون الوطنية لا تنشأ من العدم، بل هي في جوهرها نتاج هندسي دقيق لـ "الفراغ السيادي". فحين يتراجع مفهوم الدولة الوطنية في الوعي الجمعي، وتنكفئ مؤسساتها عن ممارسة وظائفها الإدارية الجوهرية —وعلى رأسها احتكار العنف المشروط بالقانون بحسب ماكس فيبر لمفهوم السيادة، وتقديم الحماية والخدمات الأساسية— تتحول البيئة السياسية إلى مساحة شاغرة؛ وسرعان ما تتسلل الكيانات الموازية لملء هذا الفراغ، متدثرة برداء المخلص، لتعيد إنتاج تعريف مفاهيم السلطة، والولاء، والشرعية.

في سياق متصل، تظهر دراسات سيكولوجيا الجماهير والتحليل النفسي الاجتماعي أن الإنسان في أوقات الذعر البنيوي يتنازل طواعية عن حريته ومواطنته لصالح من يمنحه "إيهام الحماية"؛ وهو ما يتطابق مع أطروحة إريك فروم حول الهروب من الحرية، وتفكيك غوستاف لوبون وجاك إيلول لبنية العقل الخاضع. فحين يتملك الفرد رعب وجودي من الفوضى، يبحث عن ملاذ شمولي يجنبه عبء المسؤولية السياسية. ولا شك بأن الكيانات المسلحة ذات العقيدة المغلقة تقتات على هذه الهشاشة النفسية، لتتقدم في المشهد لا كحركة تمرد عابرة، بل كـ "سلطة حوكمة بديلة" وتثبت بيانات "مؤشر الدول الهشة " هذا التلازم الصارم؛ فكلما انخفض مؤشر "شرعية الدولة" و"الخدمات الأساسية"، ارتفعت في المقابل كفاءة الكيانات الموازية في تجنيد الحشود وبناء الشبكات البديلة. إنها تجارة قائمة على سلب المستقبل؛ وعبرها يوزع التنظيم الموازي الرحمة الحزبية والخدمات الشحيحة بأسعار باهظة تُخصم مباشرة من رصيد الكرامة والمستقبل الوطني المشترك.

ولا تقتصر هذه التجارة على البعد الخدمي، بل تتقاطع جذرياً مع هندسة "اقتصاد ظل مائع" حيث يتجاوز السيطرة على المنافذ الرسمية إلى بناء شبكات ريعية مخصصه كالتهريب، والجباية القسرية، والمضاربة بالنقد، وتحويل أُمراء الحرب إلى مستفيدين أبديين من ديمومة الأزمة وسقوط الدولة.

وفي سياق التفكيك الهيكلي، وباستدعاء الأنموذج البيولوجي للتطفل السلوكي، يتضح أن "الطفيلي الذكي" لا يستهدف الإجهاز على المضيف أو الاكتفاء بتخديره، بل يعمد إلى هندسة جهازه العصبي كيميائياً لإخضاع سلوكه قسرياً، وتوجيه نحو خدمة دورته الحيوية، في موازاة مع التخفي الديناميكي عن مجساته المناعية. هذه الآلية الحيوية تُحاكي بدقة بنية العلاقة الجدلية بين "الكيانات الموازية الهجينة" و"الدولة الهزيلة"؛ فخلافاً للحركات الثورية الكلاسيكية في القرن العشرين، والتي كانت تتوخى القطيعة الراديكالية وإسقاط الأنظمة لإقامة هياكل بديلة على أنقاضها، تعمد المليشيات في نسختها الجديدة إلى التموضع في منطقة رمادية مائعة تضمن لها أن تكون أقوى من الدولة، ولكن هذه المرة من داخل جسدها السيادي.

إن هذا التطفل الكيميائي والسياسي يُترجم جيوسياسياً على الأرض إلى ميكانيزمات مادية تقضم السيادة عبر مسارين أساسيين: الأول امتصاص الموارد والتحصن بالشرعية الرسمية، والاستفادة القصوى من بنية الدولة، وخزائنها العامة، ورواتب موظفيها، مع الاحتماء بغطائها الدبلوماسي؛ وهو ما يفسره الباحث ستين ناتال في دراسة حول منطق "العنف" بتحويل الدولة إلى "درع قانوني" يمنح الكيان الموازي الحصانة الإقليمية دون كلفة الإدارة. ويتبدى هذا الامتصاص مادياً في استلاب المنافذ السيادية؛ حيث تستثمر القوى الإقليمية توغل الكيانات الموازية داخل مفاصل الدولة لإحكام السيطرة على المطارات والموانئ والحدود البرية الرسمية، لتُحيل الأجهزة السيادية إلى واجهات شكلية تمرر عبرها شحنات الأسلحة والتجارة غير المشروعة.

المسار الثاني هوالتنصل من التكلفة وتوجيه الغضب الجمعي: التملص الكامل من التبعات الأخلاقية والمعيشية للحكم، وإلقاء اللوم دائماً على "فساد المؤسسات الرسمية" أو "المؤامرات الخارجية" عند وقوع الأزمات، مما يمنح التنظيم الموازي حصانة رمزية مستدامة عبر توظيف سرديات المظلومية التاريخية أو القداسة البديلة. هذا التكتيك يخلق حالة من "السيادة المزدوجة"، حيث تتواجد مؤسسات رسمية كواجهة تمتلك القرارات والتمثيل الدولي، بينما تقبع السلطة الحقيقية والقرار الإستراتيجي في أروقة الكيانات الموازية؛ وهي الحالة التي يتوج فيها ما أسماه الفيلسوف جورجيو أغامبين بـ "تأبيد حالة الاستثناء" ليتحول الوضع الطارئ إلى واقع بنيوي محصن يقوض مفهوم الدولة ويفرغ أطرها القانونية.

تتكرر هذه المآلات البنيوية عبر المشهد المعاصر بوضوح يسهل على العين الفاحصة التقاطه في أكثر من جغرافيا مأزومة، حيث يدفع المواطن البسيط وحده فاتورة هذه السيادة المزدوجة من قوته، وأمانه، ومدخرات عمره.

تسقط المجتمعات في "خطيئة حصان طروادة" حين تشرع للكيانات الموازية السلاح تحت لافتة مواجهة التهديد الخارجي، ليتحول السلاح بمرور الوقت إلى بنية اقتصادية ومصرفية موازية تفوق قدرات الجيش النظامي، ويُفرغ المؤسسات الدستورية من مضمونها السيادي.

 حين تستغل الجماعات المسلحة ضعف السلطة المركزية تتحول من حركة تمرد في الأطراف إلى سلطة أمر واقع تبتلع العواصم التاريخية، وتُحل عقيدتها المدرسية مكان العقيدة الوطنية الجامعة، وتفرض شبكات جباية ومنافذ اقتصادية تغذي المجهود الحربي مقابل شلل الخدمات وتأكل الكرامة المعيشية للمواطن.  أما حين تدمج الفصائل المسلحة رسمياً في أجهزة الدولة لتتقاضى ميزانياتها من الخزينة العامة، بينما تظل عقيدتها وقرارها مرتبطين بشرعيات عابرة للحدود، يصبح المواطن رهينة دائمة لشبكات تسيطر على الموارد وتقوض سيادة القانون.

إن تفكيك هذه البنية الهجينة لا يتأتى بالمناشدات ولا بالشعارات العاطفية، بل عبر استرداد المساحات السيادية الشاغرة؛ وذلك من خلال استراتيجية صلبة لملء المؤسسات، وتجفيف شبكات التمويل الموازي عبر الحدود، واستعادة الحق الحصري للدولة في إنفاذ القانون وضبط السلاح، بالتوازي مع بناء جبهة وعي مدني ترفض مقايضة الحقوق الدستورية الأصيلة بمسكنات أمنية فئوية.

بيد أن الخطورة الحقيقية للكيانات الموازية لا تكمن في سطوة بندقيتها المتفلتة فحسب، بل في قدرتها الناعمة على شيطنة الدولة في العقول وتأجير الوعي الجمعي، لتحويل الضحية إلى مدافع صلب عن سياج قفصه الخاص. ومع تأكل الهيبة السيادية، تتجلى بوضوح مأساة الدولة المريضة؛ تلك التي لا تعاني من غياب المؤسسات، بل من شلل إرادتها، ليتفشى العجز في أوصال مجتمعاتها المكتوبة بنار ازدواجية السيادة.

لا شك أن انسداد هيكلي كهذا لا يُطبب بالمسكنات السياسية ولا بالصفقات الطارئة، بقدر ما يبدأ من يقظة مفهومية حازمة تعيد لمفهوم الدولة الوطنية نصابه الأخلاقي والوجودي. يجب أن يستعيد الإنسان الفرد فاعليته الذهنية بالتكامل مع وعيه القانوني والدستوري، ليدرك حقيقة بنيوية بسيطة: أن الكرامة الوطنية والمستقبل المشترك لا يمكن مقايضتهما بأوهام الحماية الفئوية أو صكوك الرحمة الحزبية. 

ويظل الامتناع عن بناء دولة القانون والمواطنة المتساوية خياراً صريحاً بالارتهان للفوضى المنظمة. غير أن الرؤية الاستشرافية لصيرورة التاريخ تؤكد أن الكيانات الموازية بحكم طبيعتها الطفيلية تحمل في طياتها بذور فنائها الذاتي؛ فهي كيانات قادرة على إدارة الحروب والابتزاز، لكنها عاجزة تماماً عن صناعة الحضارة، أو تحقيق التنمية، أو الاستجابة لمتطلبات المستقبل.