إقليم كردستان في معادلة الشرق الأوسط

07 September 2026
galalyayoub@gmail.com
الدكتور أيوب صابر كَلالي
تابع الكاتب عبر :

مع استمرار الحروب والصراعات والتحولات السريعة التي تعيد تشكيل منطقة الشرق الأوسط، يواجه إقليم كردستان مرحلة سياسية واستراتيجية جديدة، لم يعد بالإمكان اعتباره مجرد منطقة متأثرة بالأزمات أو ساحة للصراعات بل أصبح لديه مقومات تؤهله للانتقال من التأثر بالأزمات إلى أن يكون جزءا من الحلول التي تعزز الاستقرار.

ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يحدث بشكل تلقائي، بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة تعيد تحديد موقع الإقليم في العلاقات العراقية والإقليمية والدولية وتستغل موقعه الجغرافي وعلاقاته السياسية والاقتصادية وأهميته الأمنية لخدمة مصالحه ومصالح العراق والمنطقة، المعادلة الجديدة التي يحتاجها إقليم كردستان تقوم على فكرة بسيطة ولكنها عميقة كلما أصبح الإقليم مصدرا للمصالح المشتركة زادت فرص استقراره ليصبح مصلحة مشتركة لجميع الأطراف.

لا يمكن بناء عراق قوي ومستقر دون وجود إقليم كردستان مستقر يحظى بحقوقه الدستورية والسياسية والاقتصادية، لذا فإن العلاقة بين بغداد وأربيل لم تعد مجرد ملف سياسي داخلي، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الأمن الوطني العراقي والاستقرار الإقليمي، فكلما كانت هذه العلاقة واضحة ومتوازنة وتعتمد على الدستور والقانون، تقلصت الفرص التي يمكن أن تستغلها القوى الخارجية للتأثير على القرار العراقي.

هذا ما يؤكده قادة الإقليم باستمرار وفي مقدمتهم الرئيس مسعود بارزاني الذي يؤكد دائما أن العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية يجب أن تستند إلى الدستور والشراكة الحقيقية والاحترام المتبادل بعيدا عن التهميش أو فرض الإرادات.

الرؤية التي طرحها بارزاني تؤكد أن العراق بلد اتحادي وأن نجاح التجربة يعتمد على بناء توازن مؤسساتي وسياسي يضمن حقوق جميع المكونات ويحافظ على وحدة الدولة وسيادتها، لذلك يجب ألا ينظر إلى اربيل كمنافس لبغداد ولا العكس، بل كلاهما يمثلان ركيزتين متكاملتين في بناء الدولة العراقية.

المطلوب ليس إنهاء الخلافات، فهذا غير واقعي في أي نظام اتحادي، بل يجب وضع آليات دائمة لإدارتها، وينبغي أن تبقى الملفات المتعلقة بالموازنة والنفط والغاز والصلاحيات الاتحادية والإقليمية بعيدة عن الأزمات المتكررة المرتبطة بتغير الحكومات أو الظروف السياسية. تحتاج المرحلة المقبلة إلى تفاهمات سياسية واقتصادية وأمنية طويلة الأمد ضمن إطار دستوري يحدد حقوق ومسؤوليات كل طرف بشكل أوضح. فبغداد ليست منافسا لأربيل، وأربيل ليست منافسا لبغداد، نجاح أحدهما يعزز الآخر ويمثل ضمانة أساسية للاستقرار.

يقع إقليم كردستان في منطقة تتداخل فيها مصالح قوى دولية وإقليمية كبيرة، لذا يتطلب نجاح سياسته الخارجية فهمًا دقيقًا لمصالح هذه الأطراف بعيداً عن الانحياز لطرف واحد. تمثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية شريكاً مهماً في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بينما تعتبر تركيا شريكاً اقتصادياً رئيسياً بسبب الجغرافيا والتجارة والطاقة، أما إيران فهي جارة تفرض بناء علاقة قائمة على الاحترام وحسن الجوار.

وفي المقابل، توفر دول الخليج العربي فرصاً كبيرة للاستثمار والشراكة الاقتصادية خصوصاً في مجالات البنية التحتية والزراعة والصناعة والسياحة والتكنولوجيا، كما يمكن للعلاقات الاقتصادية مع الصين وروسيا أن تساعد في تنويع الشراكات بشرط ألا تؤدي سياسة التنويع إلى توتر مع الشركاء الغربيين. المطلوب هنا هو تحقيق توازن بين المصالح وليس بين الدول فقط، وهذا هو جوهر الدبلوماسية الواقعية التي يحتاجها الإقليم في الفترة القادمة.

يمتلك إقليم كردستان موقعاً جغرافياً يمنحه أهمية أكبر مما قد يبدو عليه حجم تأثيره السياسي والجغرافي، فهو يقع عند نقطة اتصال بين العراق وتركيا وإيران ويمكن أن يكون جزءًا من شبكة تربط الخليج بتركيا وأوروبا، لكن الموقع وحده لا يكفي لصنع القوة، القوة تأتي عندما يتحول الموقع إلى شبكات تجارية واستثمارية وطاقة ونقل.

لذا ينبغي النظر إلى قطاع الطاقة ليس فقط كمصدر للإيرادات بل كجزء من رؤية اقتصادية استراتيجية أوسع فالنفط والغاز قد يصبحان سبب نزاع إذا غاب الاتفاق السياسي والقانوني عنهما ولكن يمكنهما أيضا تعزيز الاستقرار إذا ارتبطا بمصالح مشتركة بين بغداد وأربيل ودول الجوار والشركات والمستثمرين.

يتطلب ذلك تطوير الطرق والمنافذ التجارية والسكك الحديد والمناطق الصناعية والبنية التحتية بحيث يصبح الإقليم جزءًا من شبكة اقتصادية متكاملة إقليمياً، وكلما زادت المصالح الاقتصادية المرتبطة باستقرار الإقليم، ارتفعت تكلفة زعزعة أمنه بالنسبة للأطراف المختلفة.

الأمن في إقليم كردستان لا يقتصر فقط على مواجهة الإرهاب أو حماية الحدود هناك تحديات أخرى تتعلق بالطاقة والمياه والهجرة والتجارة والتغيرات الأمنية في الدول المجاورة لذا يجب توسيع مفهوم الأمن ليشمل الوقاية من الأزمات بدلاً من الاقتصار على الدفاع عن الإقليم.

يمتلك الإقليم فرصة لبناء قنوات للحوار والتواصل بين أطراف مختلفة نظرًا لعلاقاته المتعددة وموقعه الاستراتيجي، وهذا يعني عدم التدخل في الصراعات أو الانحياز لطرف ضد آخر بل جعل الإقليم مساحة للحوار والتفاهم والمصالح المشتركة، إن الدبلوماسية الوقائية الأكثر نجاحًا هي تلك التي تجعل الحفاظ على الاستقرار مصلحة لجميع الأطراف.

ان أي استراتيجية خارجية ستظل محدودة إذا لم ترافقها درجة أعلى من التماسك الداخلي، تبدأ القوة السياسية من الداخل وكلما اتسعت الانقسامات السياسية والمؤسساتية زادت قدرة القوى الخارجية على التأثير فيه، لذلك يحتاج إقليم كردستان إلى حد أدنى من التوافق حول القضايا الأساسية مثل العلاقة مع بغداد والأمن والطاقة والاقتصاد والسياسة الخارجية.

هذا لا يعني إنهاء التعددية السياسية أو اختلاف الآراء بل الفصل بين المنافسة السياسية المشروعة وبين المصالح الاستراتيجية التي تحتاج توافقا أوسع عليها. إن الاقليم الذي يتحدث بلغة سياسية واضحة ومتوازنة سيكون أكثر قدرة على التفاوض وحماية مصالحه سواءً مع بغداد أو القوى الإقليمية والدولية.

يمكن لإقليم كردستان القيام بدور يتجاوز حدوده الجغرافية ليس عن طريق المنافسة مع الدولة العراقية، ولكن بتعزيز مكانة العراق نفسه داخل محيطه الاقليمي. يمتاز العراق بموقع جغرافي فريد بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام وإلى جانب ذلك يشكل الإقليم جزءاً هاما لهذه المعادلة الجغرافية. وإذا نجحت بغداد وأربيل في إقامة شراكة مستقرة فإن ذلك سيزيد قدرة العراق على إدارة علاقاته الإقليمية بشكل أكثر استقلالاً وتوازنًا.

يمكن للإقليم هنا أن يتحول لجسر اقتصادي وسياسي يربط العراق بتركيا وأوروبا ودول الخليج ويعمل على تطوير مسارات جديدة للتجارة والطاقة والاستثمار والنقل دون التعارض مع سيادة العراق وإنما تعزيزها ضمن إطار دستوري ومؤسسات اتحادية.

في بيئة إقليمية مليئة بالاستقطابات، يجب على الإقليم تطوير مفهوم جديد للعلاقات الخارجية ينتقل به من الحياد السلبي إلى الحياد الإيجابي، فالحياد لا يعني الانعزال والشراكة مع دولة لا تعني بالضرورة الخصومة مع أخرى، بل المطلوب هو الانفتاح على الجميع والحفاظ على العلاقات الاستراتيجية وتجنب تحويل المنطقة لصراع محاور.

هذا يتطلب دبلوماسية متعددة الاتجاهات تشمل شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا وعلاقات اقتصادية قوية مع تركيا ودول الخليج وحسن الجوار مع إيران وتعاون اقتصادي مع الصين وروسيا بالإضافة لشراكة دستورية راسخة مع بغداد.

يقف إقليم كردستان اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف دوره ومكانته في الشرق الأوسط حيث تتغير المنطقة وتتبدل موازين القوى وتتداخل الصراعات القديمة بتحولات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية جديدة. في مثل هذه البيئة لن تستطيع الكيانات السياسية حماية مصالحها بالقوة وحدها بل تحتاج لشبكات واسعة من العلاقات والمصالح والشراكات لتحقيق أهدافها.

لذا ينبغي ألا يستند مستقبل إقليم كردستان فقط إلى القدرة على النجاة وسط الأزمات لكن أيضاً يجب الاعتماد على تحويل موقعه الجغرافي لقيمة استراتيجية وعلاقاته الدولية لقوة سياسية وموارده لأدوات تنمية واستقراره الداخلي لعنصر تأثير إقليمي.

إن الشراكة الحقيقية بين أربيل وبغداد والانفتاح المدروس تجاه القوى الدولية والإقليمية وتنويع الاقتصاد وتعزيز قطاع الطاقة والنقل وتقوية الدبلوماسية الوقائية وتوحيد الرؤية حيال المصالح العليا يمكن أن ينقلا المنطقة نحو مرحلة جديدة. فالقوة الحقيقية لإقليم كوردستان لن تقاس فقط بقدرته على حماية نفسه ضد أزمات الشرق الأوسط ولكن بقدرته أيضاً على المساهمة في منع الأزمات وخلق مصالح مشتركة وزيادة الحوار وتعزيز الاستقرار.

هنا تكمن المعادلة الجديدة، كيف يتحول إقليم كردستان من منطقة تعاني وسط أزمات الشرق الأوسط إلى مركز يركز مصالحه ويكون ممراً للتجارة والطاقة ومنصة للحوار وشريكاً للأمن ورمزاً للاستقرار الإقليمي؟