موريتانيا.. دبلوماسية الحضور والتأثير

30 August 2026
medmahmoud2611@gmail.com
محمد محمود ولد سيدالأمين
تابع الكاتب عبر :

لم يكن انتخاب الدبلوماسي الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد، في 27 أغسطس 2026، أمينًا عامًا لمنظمة التعاون الإسلامي، مجرد نجاح شخصي لدبلوماسي راكم خبرة طويلة في الأمم المتحدة والعمل الحكومي، ولا مجرد منصب دولي جديد يضاف إلى سجل الشخصيات الموريتانية في المؤسسات متعددة الأطراف. فالرجل وصل إلى قيادة منظمة تضم 57 دولة بإجماع أعضائها، بعد حملة دبلوماسية قادتها نواكشوط لدعم ترشيحه.

أهمية الحدث تتجاوز اسم الفائز والمنصب الذي فاز به، فحين يوضع انتخاب ولد الشيخ أحمد إلى جانب صعود سيدي ولد التاه إلى رئاسة مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، وقبل ذلك تولي الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الرئاسة الدورية للاتحاد الإفريقي، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام نجاحات منفصلة، أم أمام ملامح تحول أوسع في طريقة تحرك الدبلوماسية الموريتانية وفي تصورها لموقع البلاد داخل المؤسسات الإقليمية والدولية؟

الدول لا تقيس نفوذها فقط بحجم اقتصاداتها أو عدد سكانها أو قدراتها العسكرية. ففي النظام الدولي مساحة واسعة تستطيع الدول المتوسطة والصغيرة التحرك فيها عبر المؤسسات متعددة الأطراف، وبناء التحالفات وصناعة التوافقات. وهذه مساحة تبدو مناسبة لموريتانيا على نحو خاص. فالبلد يقع عند تقاطع دوائر متعددة: المغرب العربي، والساحل وغرب إفريقيا، والعالم العربي والإسلامي، مع علاقات ممتدة إلى أوروبا والقوى الدولية. وفي منطقة تمتلئ بالاستقطابات، يمنح هذا الموقع نواكشوط فرصة للحفاظ على قنوات مفتوحة مع أطراف متباينة.

يبدو أن إحدى أوراق الدبلوماسية الموريتانية في السنوات الأخيرة تتمثل في تقليل الخصومات وتوسيع مساحات التوافق. وفي المنافسة على المناصب الدولية، لا تكفي كفاءة المرشح وحدها؛ إذ تحتاج الدولة إلى القدرة على تسويقه خارج دائرتها التقليدية وتجميع أصوات لا تنتمي بالضرورة إلى معسكر سياسي واحد.

كان انتخاب سيدي ولد التاه رئيسًا لمجموعة البنك الإفريقي للتنمية في مايو 2025 أحد أبرز الاختبارات لهذه القدرة. فالبنك واحد من أهم مؤسسات التمويل والتنمية في القارة، ويستلزم الفوز برئاسته بناء تحالف انتخابي واسع بين مساهمين ذوي مصالح مختلفة. وفي سباق ضم خمسة مرشحين، فاز ولد التاه بأكثر من 76 في المئة من الأصوات، وهي أعلى نسبة يحصل عليها رئيس منتخب لولاية أولى في تاريخ البنك.

ولا يمكن تفسير هذا الفوز بالدبلوماسية الموريتانية وحدها. فقد دخل ولد التاه المنافسة بسيرة مهنية ثقيلة وشبكة واسعة داخل دوائر التمويل والتنمية الإفريقية والدولية. لكن الكفاءة في مثل هذه الانتخابات تحتاج إلى عمل سياسي ودبلوماسي يحولها إلى أصوات، وهنا برز الدعم الموريتاني للمرشح عبر تحركات واتصالات متعددة، في نموذج يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المنافسة على قيادة المؤسسات الدولية يمكن أن تكون جزءًا من أدوات السياسة الخارجية.

قبل ذلك بعام تولى الغزواني الرئاسة الدورية للاتحاد الإفريقي من فبراير 2024 إلى فبراير 2025، في مرحلة مثقلة بأزمات الساحل والنزاعات والديون والتنمية. صحيح أن رئاسة الاتحاد منصب دوري وليست نتيجة منافسة مماثلة، لكنها وضعت الرئيس الموريتاني في قلب القضايا الإفريقية الكبرى ووسعت شبكة علاقاته واتصالاته.

إذا كان ولد التاه يمثل نجاحًا داخل الفضاء الإفريقي، فإن انتخاب إسماعيل ولد الشيخ أحمد أمينًا عامًا لمنظمة التعاون الإسلامي يوسع نطاق الحضور الموريتاني إلى فضاء أكثر تنوعًا. وولد الشيخ أحمد، بدوره، لم تصنعه الحملة الدبلوماسية من فراغ. فقد خدم سنوات طويلة في منظومة الأمم المتحدة، وتولى مهمة المبعوث الأممي إلى اليمن، قبل أن يتولى وزارة الخارجية في موريتانيا بين 2018 و2022. وبذلك دخل المنافسة بشبكة علاقات واسعة وخبرة في العمل متعدد الأطراف، بينما سبقه تحرك سياسي ودبلوماسي موريتاني في عدد من العواصم، وانتهى المسار إلى انتخابه بالإجماع.

لا تملك نواكشوط الثقل الاقتصادي أو المالي الذي تمتلكه قوى إقليمية أكبر، لكن المنافسة داخل المؤسسات الدولية لا تخضع دائمًا لمنطق الحجم. ففي بعض الأحيان قد تصبح محدودية وزن الدولة ميزة نسبية؛ فالمرشح القادم من دولة أقل انخراطًا في الاستقطابات قد يتمتع بقدرة أكبر على جمع التوافق من مرشح تدعمه قوة كبرى. وتستفيد موريتانيا هنا من موقعها بين العالمين العربي والإفريقي، ومن تعدد علاقاتها، ومن ميل سياستها الخارجية إلى تجنب الاصطفافات الحادة والحفاظ على قنوات مع أطراف متباينة.

يأتي عنصر آخر: تراكم السمعة الدبلوماسية. فالدولة التي تدير حملة ناجحة وتتواصل خلالها مع عشرات العواصم لا تنتهي استفادتها بمجرد إعلان النتائج؛ إذ تبقى العلاقات والخبرات وقنوات التواصل، وبذلك لا تبدأ كل حملة من الصفر.

الصورة لا تقتصر على ولد التاه وولد الشيخ أحمد والغزواني، ففي المؤسسات المالية، يشغل عثمان دياغانا منصب نائب رئيس البنك الدولي لغرب ووسط إفريقيا، فيما تولى الزين ولد زيدان في مايو 2026 إدارة إفريقيا في صندوق النقد الدولي. وفي منظومة الأمم المتحدة، انتُخب القاضي مولاي عبد الله ولد مولاي عبد الله عضوًا في لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. ويمتد الحضور إلى القوة الناعمة، حيث يتولى محمد ولد أعمر الإدارة العامة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو". 

من المهم ألا توضع هذه الحالات جميعًا في سلة واحدة؛ فولد التاه وولد الشيخ أحمد وصلا عبر انتخابات وحملات دولية شاركت الدولة في دعمهما، بينما وصل آخرون عبر مسارات مهنية طويلة داخل المؤسسات التي يعملون فيها. لكن اختلاف طرق الوصول لا يلغي الدلالة الأوسع: وجود مجموعة متنامية من الكفاءات الموريتانية داخل مستويات متقدمة من دوائر صنع القرار الإقليمي والدولي.

إذا كانت الحالات السابقة ترصد ما تحقق بالفعل، فإن ترشيح كومبا با لمنصب الأمينة العامة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية يكشف اتجاهًا آخر: تحويل الحضور إلى منافسة منظمة على القيادة. فمنذ أبريل 2026، بدأت موريتانيا حملة دبلوماسية لحشد على دعم الدول الأعضاء لترشيحها، وحملت وفود ومبعوثون موريتانيون الملف إلى عدد من العواصم.

وهكذا باتت حركة الترشيحات الموريتانية تمتد إلى دوائر أساسية في السياسة الخارجية للبلاد: إفريقيا، والعالم العربي والإسلامي، والفضاء الفرنكوفوني. وليس مضمونًا أن تنتهي كل حملة بالفوز، لكن حتى المنافسة الجادة توسع شبكة العلاقات وتراكم خبرة يمكن استخدامها في معارك لاحقة.

وانتخاب موريتاني على رأس مؤسسة دولية لا يجعل تلك المؤسسة أداة للسياسة الخارجية الموريتانية، ولا ينبغي أن يجعلها كذلك. فسيدي ولد التاه مسؤول أمام مساهمي البنك الإفريقي للتنمية، وإسماعيل ولد الشيخ أحمد مسؤول أمام الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.

القيمة الحقيقية لهذه النجاحات تقع في مكان آخر: إنها تمنح موريتانيا رأسمالًا رمزيًا ودبلوماسيًا، وتوسع شبكات علاقاتها، وتكرس صورة دولة قادرة على بناء التوافق حول مرشحيها. لكن تحويل هذا الرأسمال إلى نفوذ مستدام يحتاج إلى أكثر من الفوز بالمناصب. فالدبلوماسية الناجحة لا تقاس بعدد المناصب التي يصل إليها مواطنو الدولة وحده، وإنما بقدرتها على تحويل العلاقات إلى مصالح، والحضور إلى تأثير، والنجاحات الفردية إلى تراكم مؤسسي. ويحتاج ذلك إلى إعداد مبكر للترشيحات، وبناء قاعدة للكفاءات، وزيادة الحضور الموريتاني داخل المستويات الفنية والتنفيذية للمنظمات الدولية.

انتخاب إسماعيل ولد الشيخ أحمد، بعد صعود سيدي ولد التاه، وتجربة رئاسة الغزواني للاتحاد الإفريقي، ومع استمرار الدفع بمرشحين مثل كومبا با، لا يعني أن موريتانيا تحولت فجأة إلى قوة إقليمية؛ فهذا استنتاج أكبر من الوقائع. لكنه يكشف أن دولة محدودة الموارد تستطيع، عندما تحسن استثمار موقعها وكفاءاتها وعلاقاتها، أن تحصل داخل المؤسسات الدولية على مساحة أوسع بكثير من حجمها المادي.

ولهذا ربما لم يعد السؤال: من هو الموريتاني القادم إلى منصب دولي جديد؟ بل، هل تستطيع موريتانيا تحويل دبلوماسية الحضور إلى دبلوماسية تأثير، ومنها إلى نفوذ مؤسسي مستدام؟