حصر السلاح في العراق.. تسوية مرتقبة
المعطيات الحالية تشير الى أن هناك مساحة واسعة للتسوية وإعادة ترتيب شكل العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل، خصوصاً أن طرح تسليم السلاح إلى هيئة الحشد الشعبي بدأ يظهر فعلاً كأحد المخارج المطروحة.
القراءة الأقرب هي أن الحكومة تريد أن تظهر للرأي العام، ولواشنطن ودول المنطقة، أن الدولة استعادت زمام المبادرة وأن قرار السلاح لم يعد خارج المؤسسات الرسمية. لذلك رأينا في الفترة الأخيرة تحركات أمنية وتصريحات حازمة، وإجراءات ضد مقرات تنتحل صفة الحشد، إلى جانب الحديث عن حصر السلاح وإعداد الإطار القانوني لذلك.
هذا لا يعني بالضرورة أن بغداد ذاهبة إلى مواجهة عسكرية شاملة مع الفصائل. فالحكومة تعرف جيداً أن الدخول في حرب داخلية مع قوى مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً وشعبياً وعسكرياً سيكون مكلفاً جداً، وقد يفتح الباب أمام فوضى لا يستطيع أحد ضمان نتائجها. وبالمقابل، الفصائل تعرف أن مواجهة مباشرة مع الدولة في هذه المرحلة ستضعها أمام ضغط شعبي وإقليمي ودولي كبير، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الأمريكية على بغداد لضبط السلاح.
لذلك أعتقد أن الاستعراض الحالي للقوة الأمنية هو جزء من معادلة الضغط والتفاوض أكثر مما هو استعداد فعلي لحرب شاملة. الحكومة تحتاج أن تقول للشعب الدولة موجودة، والقوات الأمنية قادرة، والسلاح سيعود الى مؤسسات الدولة. والفصائل تحتاج في المقابل إلى مخرج يحفظ لها وجودها ونفوذها من دون أن تظهر أمام جمهورها وكأنها انهزمت أو سلّمت سلاحها تحت الضغط الأمريكي.
قد نشهد خلال المرحلة المقبلة انتقالاً تدريجياً من صيغة «فصائل مسلحة خارج إطار الدولة» إلى صيغة «قوات موجودة ضمن مؤسسة رسمية هي الحشد الشعبي». وبذلك تستطيع الفصائل أن تقول إنها لم تُهزم ولم تُحل، وإنما أصبحت جزءاً من مؤسسة أمنية رسمية، فيما تستطيع الحكومة أن تقول إنها نجحت في إدخال السلاح ضمن الإطار القانوني للدولة.
وهذا السيناريو ليس افتراضاً بعيداً؛ فقد ظهرت بالفعل تقارير عن اتفاق سياسي يقضي بتسليم أسلحة بعض الفصائل إلى هيئة الحشد، كما أن فصائل أخرى سبق أن أعلنت استعدادها للاندماج أو تسليم إدارة ألوية ضمن الحشد. لكن هنا توجد النقطة الأخطر.
إدخال الفصيل إلى مؤسسة رسمية لا يعني بالضرورة أن النفوذ الذي كان يحركه من الخارج قد انتهى. قد يتغير الشكل القانوني والتنظيمي، بينما تبقى بعض شبكات النفوذ والولاء والقرار السياسي والأمني موجودة بدرجات مختلفة. وهذا تحديداً هو سبب أن بعض التحليلات ترى أن «التسليم» إلى الحشد قد لا يساوي بالضرورة نزع السلاح فعلياً، وإنما قد يكون إعادة تصنيف للسلاح من سلاح فصيل إلى سلاح مؤسسة رسمية.
السلاح لا يختفي، والفصيل لا يختفي، وإنما يتغير الغطاء الذي يتحرك تحته. أمام الشعب العراقي سيظهر المشهد على أنه انتصار للدولة الفصائل أصبحت ضمن مؤسسة رسمية، والحشد أصبح جزءاً من المنظومة الأمنية، والحكومة أصبحت قادرة على ضبط السلاح. وأمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي يمكن تقديم الأمر باعتباره دمجاً وإعادة هيكلة للقوى المسلحة داخل مؤسسات الدولة. أما على مستوى النفوذ الإقليمي، فالسؤال الحقيقي سيكون: هل تغيرت سلسلة القرار فعلاً؟ أم تغير فقط عنوانها الرسمي؟
هنا لا يمكن الجزم مسبقاً بأن كل الفصائل ستبقى مرتبطة بإيران بالطريقة نفسها؛ فالفصائل العراقية ليست كتلة واحدة، وهناك تفاوت في علاقاتها وأولوياتها. لكن من الواقعي جداً أن تحاول طهران الحفاظ على نفوذها وشبكاتها داخل العراق حتى لو تغير الشكل القانوني والتنظيمي لهذه القوى. والتقارير الأخيرة عن ضغوط إيرانية على الفصائل لعدم تسليم سلاحها تعطي مؤشراً مهماً على أهمية الملف بالنسبة لطهران.
أن المعركة الحقيقية لن تكون بالضرورة معركة سلاح، وإنما معركة قرار: من يملك قرار استخدام السلاح؟ من يصدر الأوامر؟ هل القائد العام يستطيع فعلاً تحريك هذه القوات وإيقافها؟ هل تستطيع الدولة محاسبة أي قوة تخالف أوامرها؟ وهل يصبح الحشد مؤسسة عسكرية وطنية بالكامل، أم يبقى داخله نفوذ حزبي وإقليمي؟
إذا تحققت هذه الشروط، فهنا يمكن القول إن الدولة نجحت فعلاً. أما إذا أصبح لدينا سلاح داخل مؤسسة رسمية لكن القرار الحقيقي ما زال خارج المؤسسة، فسنكون أمام تغيير في العنوان أكثر من كونه تغييراً جوهرياً. ولهذا أستبعد في المرحلة الحالية سيناريو الحرب الشاملة بين الحكومة والفصائل، وأرجح سيناريو التسوية التدريجية ضغط حكومي وأمريكي، استعراض للقوة، مفاوضات خلف الكواليس، ثم إعادة تموضع للفصائل داخل الإطار الرسمي للحشد.
الأيام المقبلة ستكشف شيئاً أهم من موعد تسليم السلاح نفسه، هل ستنتقل الفصائل فعلاً الى طاعة الدولة، أم ستنتقل فقط من خارج المؤسسة الى داخلها مع الاحتفاظ بقرارها المستقل، وهذا هو الاختبار الحقيقي لمشروع حصر السلاح بيد الدولة.