سلسلة البحث عن الفضيلة
الفضيلة ليست مصطلحًا يشير إلى معنى الإحسان في الإنسان، بل هي غاية الكمال فيه؛ لأنها دائرة الحكمة والشجاعة والاعتدال في كيانه، ومنبع الاستدامة في الحفاظ على غاية الخلق للبشر. هكذا يمكن اختصارها في سطور.
كثيرًا ما نسمع من الآباء والأجداد عبارتي «الزمن الجميل» و«يا ليت»، ونجهل المعنى الكامن وراءهما؛ لأننا لا نعرف لماذا يرددون ذلك دائمًا. هل لأن ماضيهم جميل وحاضرنا سيئ؟ أم لأن ماضيهم بسيط وواقعنا معقد؟ هذه جدلية تستحق التوقف عندها وتفكيكها، لمعرفة إن كانوا على حق، أم أن الطرح يهدف إلى التمسك بمرحلة عمرية كان الإنسان قادرًا فيها على ممارسة هواياته وأفعاله بقوة تسمح له بذلك.
وبما أن تلك المرحلة الزمنية ليست بعيدة، ويمكن تقصيها، يتبين أن البساطة التي عاشها آباؤنا وأجدادنا كانت بعيدة عن فك شفرات المستقبل الذي يرهق العقل والبدن، في ظل ما نعيشه من آلام تقابلها طموحات متوقفة على ملاءمة الظروف.
تتلخص البساطة في كيفية العيش والحصول على السعادة. وكان تعريف السعادة في ذلك الزمن يقتصر على معايير بسيطة في متناول اليد، لا تتطلب جهدًا كبيرًا، مثل: كيف أحب؟ وكيف أتزوج؟ وكيف أبني أسرة؟ وكيف أصبح أبًا؟ وكيف أُطاع؟ وكيف أُعلّمهم؟ وكيف يكون لهم مستقبل زاهر يحمدني عليه المجتمع؟ وكيف أعمل؟ وكيف أصنع مالًا يكفيني؟
كانت هذه الطموحات تمنح وقتًا كافيًا ومساحة عقلية واسعة لمراجعة أفعاله وتوجهاته، لتمييز الصواب من الخطأ. كما كانت تنتج أفعالًا تمنحه مكانة مرموقة في محيطه الاجتماعي. بمعنى أن التوجهات كانت نفعية مشتركة بين الفرد والأسرة والمجتمع، ولم تكن تميل إلى النفعية الشخصية المنفردة القائمة على إهمال مصالح الناس وعواطفهم.
السؤال الاستدراكي في هذه القراءة: إذا كان توجههم على هذه الطريقة، فلماذا لم تُورَّث إلى أقرانهم؟ ولماذا لم تستمر المسيرة على نهجهم؟
الجواب الافتراضي: الظروف وتسارع الزمن التكنولوجي والمعرفي أديا إلى صناعة ملهيات تراجعت معها الاستمرارية والتركيز على مبدأ التنشئة الاجتماعية. وأصبحت المنافسة البشرية تُختزل في من يصنع المجد أولًا. والمجد، في هذا التعريف، ليس خلود الشخصية وحسنها في الموازين الخلقية، بل كيفية تصدر المشهد في دوائر الأضواء الصغيرة والكبيرة. أي أن الفكرة تقوم على استخدام المحيط عاملًا في منهج الصعود، حتى وإن ترتبت على ذلك أضرار.
لذلك، ربما لا تعود الفضيلة بنتائج مربحة للفرد في زمن تبلغ فيه المصالح الشخصية ذروتها، وتصبح وسيلة العيش والنجاح مرتبطة بتلك المصالح.
وعندما تتسع المفارقة بين زمن كان معيار السلوك فيه «كيف أُحسن فأُحمد»، وزمن بات معيار النجاح فيه «كيف أفعل فأنجح»، تتسع فجوة التقييم. لذلك يُنظر إلى ذلك الزمن بوصفه فترة ذهبية بجمالية الفعل والناتج، في مقابل زمن لا يُحسب فيه حساب لمردود المكانة والسمعة الحسنة. المشكلة ليست أن الماضي كان فاضلًا والحاضر فاسدًا، بل إن البيئة التي كانت تكافئ الفضيلة تغيّرت.