مسرحية "الجنوب" لجوليان جين
في ظل عزوف اغلب القراء عن قراءة المسرح العالمي والغوص في ثنايا هذا العالم الفسيح الذي لا يقل أهمية عن الرواية والقصة وجميع فنون النثر في الأدب العالمي، لا بد لنا من وقفة وقراءة للمسرح والعودة الى الجذور عندما كان المسرح منصة لانطلاق النجوم من ادباء وفنانين نحو العالمية.
المسرح هو فن جامع للشعر والرواية والقصة والتمثيل والرسم والعمارة والاضاءة والتقنيات والحركة والرقص لذلك يسمى بأبو الفنون اذن نحن بحاجة الى تنويع قراءاتنا عبر الولوج في دهاليز المسرح العالمي والوقوف على اهم الطروحات والافكار والقضايا التي يطرحاها ولا يزال هذا الفن الرصين رغم التحديات الكبيرة.
تعد مسرحية "الجنوب" ذات الثلاثة فصول والتي ألفها الكاتب الأمريكي الفرنسي جوليان جين حالة معبرة عن واقع ثقيل. واقع يرزح تحت أشباح الأزمات والحروب. المكان هنا هو الجنوب الأمريكي أما الزمان فهو العام 1850 أي في ذروة الصراع العسكري ما بين الشمال والجنوب ومشكلة العبيد وغيرها من الازمات التي كبلت التاريخ الجديد لأمريكا.
في المسرحية نحن أمام شخصيات مختلفة في كل شيء لدرجة لم الحظ تشابه من حيث الأفكار والطروحات بين الشخصيات فكل شخصية هي مستقلة عن الأخرى وكل شخصية لها أبعادها النفسية والاجتماعية والفلسفية التي تختلف عن الاخرى فليس الجميع على صورة واحدة حتى الأيام تختلف وهذه سنة الكون.
المسرحية مثقلة بالأجواء الكئيبة وهذا كان واضحا منذ الفضل الاول والمناظر الاولى ومن خلال حوارات الشخصيات وردود فعل كل منها مع الآخر، اما الديكورات والاضاءة فجاءت في الوقت والمكان المناسب لتشكل مع الاحداث، وبضمنها الحوارات، مسرحية "الجنوب"، لوحة جميلة ستظل عالقة في ذهن القارئ الرصين.
المسرحية كذلك لا تخلو من اللحظات المؤلمة الممزوجة بالحب والفراق والوداع. لحظات ممتزجة بالندم. ففي المقطع الاخير وعلى لسان شخصية ريجينيا التي كانت تحب الضابط البولندي يان اينافيسكي والذي قتل نتيجة مبارزة خاضها مع احدى شخصيات المسرحية حيث كانت تقف الى جانب جثة يان وتقول "إذا كنت لا تزال هنا كما أعتقد فاسمعني يا يان ، لن أزعجك بدموعي. فها أنت ذا ترى أني اتحدث اليك في هدوء، كما تكلم الام طفلها حينما ينام. عندما اقتربت مني منذ قليل وطلبت مني الصفح لم أنطق بشيء. ولكن قلبي كان يتفجر. هل تفهم يا يان؟ سيمسح الله كل الدموع. هكذا قال الله. سيمسح دموعك ودموعي ".
تنهار ريجينيا الى جانب الميت، وفي نفس اللحظة تصل زمجرة مدفع. تهب الريح وتصطفق مصاريع الشباك. لنسمع أثناء هذا الوداع المؤلم والذي نقله جين كخاتمة لمسرحيته، صوت المدافع حيث يشير هنا الى بدء الحرب بين الشمال والجنوب الامريكي وحولها يكمن محور هذا المسرحية الخالدة.