بدعة الحضارة تصنع المجد

27 August 2026
waleedradhi30@gmail.com
وليد العكيلي
تابع الكاتب عبر :

هكذا تبدأ النشأة الاجتماعية للأجيال التي تعيش في مجتمعات تسكن في أراضٍ تمثل حضارةً لأقوامٍ سابقة؛ أنَّ الأجداد الذين قاموا ببناء تلك المشاهد العمرانية، وسطروا النصوص، وشهروا السيوف، وحققوا الانتصارات، هم الهوية البصرية التاريخية للجيل الذي يقرأ سيرتهم بعد آلاف السنوات، وتتجلى تلك الأخبار في إعداد شخصية الجيل الذي يقرأ ويتأثر، ليصبح ذلك التجلي ظلًّا موازيًا لبناء الشخصية التي تعيش في عصر تختلف فيه كل عوامل التقدم والتحضر عن زمنٍ كانت أبسط ما يصبو إليه الإنسان هو البقاء على قيد الحياة، ويرتقي لطموح الخلود.

هكذا ترى المجتمعات الشرقية التي تعيش على أراضٍ قامت عليها بقايا آثارٍ لأقوامٍ سابقة. وعند الحديث عن المفارقة ما بين أن الإنسان يورث المجد من الأجداد، علينا القول بأن التاريخ عندما سرد لنا إنجازات الأقوام السابقة، تشير الدراسات التنموية والسلوكية إلى نسبة الإنتاج والابتكار في المجتمعات التي تشكل امتدادًا للحضارات السابقة، تثبت أنها متدنية، وتكاد لا تنافس الثورات التكنولوجية والعلمية لباقي المجتمعات التي تفتقر لتاريخ الحضارة، والتي تعيش صراع الغلبة على سرعة الزمن، وما يوازيه من متطلب للتقدم.

السؤال الأهم: هل إن الأقوام التي بنت حضارتها ونهضتها في السابق ورّثت خاصية الابتكار والإنتاج لسلفها عبر انتقال الجينات؟

الجواب: علميًا، أحدث ما توصلت إليه الدراسات أن الابتكار يحتاج إلى معرفة، وليس إلى عامل وراثي. نعم، إشارة الدراسة أن حافز الاستعداد يكون موجودًا في الأبناء، لكن يحتاج إلى بيئة علمية ومعرفية متراكمة حتى يتحول إلى ابتكار. بمعنى أن القوة يمكن أن تنتقل، إلا أن العامل والمنفذ للقوة يعتمد على آلية التدبير واختيار الزمان والمكان المناسب لتنفيذ القوة، وهذا في جانب الصراع بين الإدراك والإرادة.

الأجيال التي تكون مدركة ومتعايشة بخطٍّ مساوٍ أو تقل بقليل عن حركة الزمن، تستطيع أن تصنع إرادة قادرة على ضبط حركة اللازم لمتطلبات الزمن. هكذا تُبنى البيئة العلمية للمجتمعات؛ أن ننتظرها أن تبتكر ونستهلك إنتاجها، دون النظر إلى كيفية الإنتاج.

المجتمعات المبتكرة لم تعش ولم تقف كثيرًا على إنجازات الأقوام والحضارات السابقة لتبطئ نموها العلمي، بل ذهبت إلى استيراد كينونة الاكتشافات في ذلك الزمن، وذهبت إلى تطويرها إلى اكتشافات عظيمة أخرى، بمعنى "تعلّمت الحرف وصنعت الجملة".

ومن الشواهد الكثيرة التي يمكن إبرازها في هذا الشأن: حضارة وادي الرافدين التي تمثل العراق، وحضارة دلمون التي تمثل أجزاءً من المملكة العربية السعودية الحالية. والإشارة إلى دلمون بالمقاييس العصرية في تلك الألفية كانت حضارةً متواضعةً وبدائيةً مقارنةً بحضارة وادي الرافدين، وهذا الفارق الذي عاشه سكان وادي الرافدين في السابق لا ينعم به ساكنو وادي الرافدين الحاليون، بينما يعيش سكان حضارة دلمون الحاليون التطور الكبير الذي لا ينتمي كثيرًا إلى تاريخهم، وأمثلة أخرى يمكن للقارئ أن يتمعن بها للحضارات الأخرى.

إذن، المقياس الحقيقي للمجد يعتمد على عامل النهضة المعرفية والتكيف العلمي للاستخدام العقلي للإنسان في تدبير خطط وأدوات تساهم في ديمومة المنافسة على من يصنع الابتكار أولًا، ليكون عاملًا في تقدم اقتصاد وبناء مجتمع قوي متكامل، لا يحتاج إلى ابتزاز مبتكر آخر يضرب جيبهُ ليمنحهُ امتياز الابتكار الذي صنعه.

هكذا تدور عجلة المجد في كيفية الابتكار والنظر إلى الأمام، دون البقاء في موضع الماضي الذي صنع من أجل مرحلة لا تتشابه مع مرحلة زمنية أخرى تختلف فيها المتطلبات والطموحات.

ختامًا، ربما سطوري ليست بالطرح الجديد، فقد سبقني إليها الشاعر القائل:

كُنِ ابنَ مَن شِئتَ واكتَسِبْ أدبًا

يُغنيكَ محمودُهُ عنِ النَّسَبِ

فليسَ يُغني الحسيبُ نسبتَهُ

بلا لسانٍ لهُ ولا أدبِ

إنَّ الفتى مَن يقولُ: ها أنا ذا

ليسَ الفتى مَن يقولُ: كانَ أبي

إنها موروثٌ لم نقتدِ به، ولم نتوقف عنده.