هل يكفي تغيير الحكومة؟
مع كل قرار اقتصادي يثير الجدل، يتجدد الحديث عن تغيير حكومي محتمل، وكأن تبديل الوجوه أصبح الإجابة الجاهزة عن كل أزمة. بينما يبقى السؤال الأهم معلقًا: هل تكمن المشكلة في الوجوه، أم في النموذج الذي يُدار به دولاب العمل الحكومي؟
ولعل هذا السؤال يذكّرنا بما أورده الدكتور محمود محيي الدين، في معرض حديثه عن كيف تفنى الحضارات، مستشهدًا بالمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، الذي خلص إلى أن الحضارات لا تموت قتلًا، بل انتحارًا. فهي نادرًا ما تسقط بفعل عدو خارجي أو غزو، وإنما حين ينخر الجمود في مؤسساتها، وتتراكم الاختلالات دون مراجعة، وتتقدم المصالح الضيقة على القدرة على التجديد والإصلاح.
ربما تبدو هذه الفكرة بعيدة عن الحديث الدائر حول احتمال إجراء تعديل وزاري في مصر، لكنها تضع النقاش في إطاره الصحيح. فمنذ أول أغسطس الجاري، دخلت الزيادة الجديدة في أسعار الكهرباء المنزلية حيز التنفيذ، لتضيف جولة جديدة إلى سلسلة من القرارات الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطنين خلال السنوات الأخيرة. وقد أعاد القرار إلى الواجهة موجة من الانتقادات البرلمانية والإعلامية، وتساؤلات مشروعة حول أداء الحكومة، وجدوى استمرار النهج الحالي في إدارة الملفات الاقتصادية.
في خضم الحديث عن البرنامج الاقتصادي الذي يُفترض أن يقود المرحلة المقبلة، يلفت د. مدحت نافع الانتباه إلى حقيقة مهمة، وهي أن مصر لا تعاني من نقص في الرؤى أو الدراسات أو الوثائق الاستراتيجية. فقد شهدت السنوات الأخيرة الحوار الوطني، والسردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، واستراتيجيات مصر 2030 و2040، فضلًا عن عشرات الدراسات التي أعدتها الجامعات ومراكز الفكر. ومن ثم فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنتاج وثيقة جديدة، وإنما في استيعاب هذا التراكم المعرفي وتحويله إلى برنامج متكامل، بدلاً من البدء من نقطة الصفر مع كل مرحلة جديدة.
في تقديري، هذا التشخيص يُعد خطوة أولى صحيحة ودقيقة، ولكن نحتاج لإكمال الصورة بإضاءة أبعاد إضافية، فالأزمة لا تتعلق فقط بتعدد الرؤى، وإنما بطبيعة الرؤية نفسها. فهناك فرق بين الفكرة، والرؤية، والحلم. فالفكرة هي تصور أولي قابل للتطوير، والحلم هو الطموح الذي يحدد الوجهة، أما الرؤية فهي الحلم حين يتحول إلى مشروع عملي، والفكرة حين تتحول إلى منظومة متكاملة من الأهداف والسياسات وآليات التنفيذ.
غير أن الرؤية لا تكتمل بمجرد جودة صياغتها، وإنما تحتاج إلى عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو الإيمان الجماعي بها. فالرؤية التي لا يؤمن بها من يُفترض أن يحملها وينفذها تظل مجرد اتجاه فكري، مهما بلغت دقتها الفنية.
ومن هذا المنطلق جاءت قراءتي التحليلية للسردية الوطنية للتنمية الاقتصادية. فقد حملت الوثيقة اسم "السردية"، بينما جاءت في بنيتها أقرب إلى تقرير فني ضخم يتجاوز الألف صفحة، يسبقه ملخص تنفيذي يقترب هو الآخر من خمسين صفحة. والسردية، بطبيعتها، لا تُقاس بعدد الصفحات، وإنما بقدرتها على تحويل المعلومات إلى قصة متماسكة تبدأ من التحدي، وتشرح أسباب الأزمة، وتقدم طريقًا واضحًا للحل، ثم تجعل المواطن يرى نفسه جزءًا من هذه القصة. ولهذا بدت الوثيقة ثرية بالمحتوى، لكنها أقل قدرة على صناعة المعنى المشترك الذي يحول النص إلى رؤية يؤمن بها الناس قبل أن يقرؤوها.
اكتمال الرؤية والإيمان بها ليسا كافيين وحدهما. فكما يشير د.نافع، أي برنامج - مهما بلغت دقة تصميمه - لا ينهض على النوايا الحسنة، بل على موارد حقيقية تترجمه إلى واقع، في ظل تراجع الادخار المحلي إلى نحو 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي، واستحواذ المالية العامة على معظم السيولة المحلية لتمويل عجزها. فالرؤية المكتملة، مهما بلغ إيمان الناس بها، تبقى - كما يصفها نافع - "أوراقًا حسنة الصياغة لا تساوي في النهاية سوى ثمن الحبر الذي أُريق على أوراقها" إن لم تجد من يمولها. وهنا تكتمل عناصر الأزمة الثلاثة: رؤية غير مكتملة، وإيمان لم يتشكل بعد، وتمويل غير مضمون؛ وغياب أي ضلع من الثلاثة كافٍ لإجهاض أفضل البرامج صياغةً.
إذا كانت الرؤية غير المكتملة تمثل أحد أوجه الأزمة، فإن الوجه الآخر لا يقل خطورة ويتمثل في طريقة عمل المؤسسات نفسها. فالدكتور محمود محيي الدين يصف هذه الحالة بدقة في مقاله عن "الجزر المنعزلة والصوامع المغلقة"، حيث يشير إلى أن المؤسسات الحكومية كثيرًا ما تعمل في جزر منفصلة، رغم كثرة الاجتماعات والحديث عن التنسيق، بما يؤدي إلى ازدواجية الجهود، وإهدار الموارد، وتعقيد حياة المواطنين وإرباك المستثمرين.
غير أن هذه الصوامع لا تتوقف عند حدود الإدارة، بل تمتد إلى الاتصال ذاته. فكل صومعة إدارية تنتج، بالضرورة، صومعة اتصالية. وحين تغيب الرؤية المشتركة داخل المؤسسة، يغيب معها الخطاب المشترك خارجها. فتتعدد التصريحات حول القضية الواحدة، وتختلف الرسائل باختلاف الجهات، ويصبح المواطن أمام أصوات متعددة لا تعكس رؤية واحدة، بل اجتهادات متوازية. وهنا لا تصبح المشكلة “إعلامية” فقط، بل انعكاس مباشر لخلل أعمق في البناء المؤسسي نفسه.
هذه الفكرة تتقاطع بصورة لافتة مع ما انتهى إليه تقرير ماكينزي الصادر في يناير 2026 حول الصحة التنظيمية في القطاع العام. فالتقرير يشير إلى أن أزمة الثقة لا تبدأ عند المواطن، وإنما تبدأ داخل المؤسسة نفسها، فعندما تغيب الرؤية المشتركة، ويضعف التنسيق، وتتعدد الرسائل، ويعمل كل قطاع بمعزل عن الآخر.
وأرى أن هذه النتيجة تمتد إلى ما هو أبعد من الأداء الإداري، فالصحة التنظيمية ليست فقط شرطًا لرفع كفاءة المؤسسة، بل هي أيضًا شرط لمصداقية خطابها. فالمؤسسة التي تعاني اضطرابًا داخليًا لن تستطيع إقناع المجتمع بخطابها، مهما بلغت جودة الرسائل التي تنتجها. وحين يتحدث الخطاب عن الكفاءة بينما يختبر المواطن البيروقراطية، أو يتحدث عن التنسيق بينما يرى تضارب التصريحات، تنشأ فجوة في المصداقية لا يمكن علاجها بحملات إعلامية أو تحسين الصياغة، لأنها في الأصل تعكس خللًا داخل المؤسسة نفسها.
خلال السنوات الأخيرة، انشغل الخطاب العام بمؤشرات الاقتصاد الكلي؛ معدلات النمو، والاستثمارات، والاحتياطيات، وهي مؤشرات لا يمكن التقليل من أهميتها. لكن الدكتور محمود محيي الدين يذكرنا بأن الناتج المحلي الإجمالي لا يكفي وحده لقياس جودة الحياة أو العدالة أو الاستدامة، وأن تقييم الأداء يحتاج إلى منظومة أوسع تشمل الحوكمة، وكفاءة المؤسسات، والثقة، وجودة الخدمات.
والأمر ذاته ينطبق على الحكومات. فالحكومة لا تُقاس فقط بما تنجزه، وإنما أيضًا بقدرتها على تفسير هذا الإنجاز وربطه برؤية واضحة يفهمها المواطن. وهذه كانت إحدى أهم الملاحظات التي توصلت إليها في تحليلي للسردية الوطنية؛ فالمشكلة لم تكن في وفرة المعلومات، بل في غياب القدرة على تحويلها إلى قصة ذات معنى. قصة يرى فيها كل مواطن موقعه، ويفهم من خلالها لماذا يحدث ما يحدث، وإلى أين يتجه.
في الإدارة العامة، كثيرًا ما يُختزل ضعف الأداء في الأشخاص، وكأن استبدالهم كفيل بحل الأزمة. لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فالسياق المؤسسي يفرض حدوده على الجميع. ومع ذلك، فإن تحميل النظام وحده كامل المسؤولية لا يقل تبسيطًا عن تحميل الأفراد وحدهم. فالقائد الكفء يستطيع، حتى داخل القيود، أن يصنع فارقًا - وهذا بالضبط ما يحدده أول مئة يوم في أي منصب جديد: فالفارق لا يصنعه استبدال الشخص وحده، بل قدرته على تشخيص المؤسسة من الداخل قبل التحرك، وبناء نواة قيادية موثوقة بدل الاستسلام لترشيحات الدائرة القديمة، وتحويل الأيام الأولى إلى مرحلة تأسيس حقيقية لا مجرد فترة تعارف شكلية.
لكن حتى أكثر القيادات كفاءة ستواجه التحديات نفسها إذا بقي النموذج كما هو، وإذا استمرت كل وزارة تتحرك بمعزل عن الأخرى، وإذا ظل الاتصال الحكومي انعكاسًا لتشتت القرار لا تعبيرًا عن وحدة الرؤية. ومن هنا تأتي أهمية ما يقترحه د. نافع ما يمكن اعتباره الحل المؤسسي الأعمق لهذه المعضلة: فالرهان الحقيقي - كما يرى - لا يتعلق بالأشخاص، بل بالمؤسسات؛ إذ لا تحتاج مصر إلى وثيقة جديدة كلما تغير وزير أو تبدلت حكومة، بل إلى منظومة مستقرة للتخطيط والمتابعة والتقييم. ويقترح تحديدًا فكرة "دستور اقتصادي" يحدد الأهداف الكبرى التي لا يجوز العبث بها - كاستقرار الاقتصاد الكلي واستدامة المالية العامة - بينما تظل الأدوات والسياسات التنفيذية قابلة للمراجعة، مع طبقة وسطى من مستهدفات دورية تتيح تصحيح المسار دون هدم البناء كله في كل مرة تتغير فيها الوجوه.
هذا بالضبط جوهر ما يستحق أن يكون معيار الحكم على أي تغيير وزاري قادم: ليس عدد الوجوه الجديدة، بل ما إذا كان هذا التغيير يأتي مصحوبًا بمثل هذه المنظومة المستقرة، أم سيبقى كسابقيه، رهينة اجتهاد الأفراد القادمين وحدهم.