النخبة بين المفهوم وتمثّيل المجتمع

03 August 2026
atouizinedine4@gmail.com
عطوي زين الدين
تابع الكاتب عبر :

من المعلوم أنه ومنذ فجر التاريخ كانت الحضارات تعتمد بشكل رئيسي على نخبها فقد كانوا في مقدمة البناء الحضاري ومساهمين بشكل كبير في تحقيق التقدم وإرساء الاستقرار لأن النخبة تعتبر نواة التوجيه، وبعد مرور العصور ها نحن ذا نصل إلى عصرنا المعاصر عصر التحولات والاتصالات الرقمية والعولمة التي أذابت مسافات شاسعة بين الحضارات وجعلتها مندمجة في قالب واحد، ومن هنا ينبثق سؤالين مهمين : من الذي يُعتبر نخبة في أعين المجتمع؟ وهل أبقت النخبة بتأثيرها المعهود في حضارة العصر المعاصر؟ 

حتى نجيب عن هذين السؤالين وجب علينا معرفة من هم النخبة، إذ تعرف هذه الأخيرة على أنها الطبقة التي تملك تأثيرا يمسّ الكثير من الجوانب والمجالات في الدولة كالسياسة، الاقتصاد ،الدين ، الإعلام، الرياضة، الطب وما إلى ذلك أي أنهم الواجهة التي تعكس بتأثيرها توجهات "كيان الدولة" في عديد المجالات، لذا من المغالطة أن نحصر كلمة "نخبة" في جانب واحد ووحيد كالمجال السياسي مثلاً كما يفعل كثيرون.

بعدما عرِفنا "النخبة" قد يجد المتأمل تعارضًا بين المفهوم الأصلي وتصور المجتمع الذي يضم عديد الأفراد، منهم المتعلم وغير المتعلم، قد نجد أن شريحته الكبرى تمتلك مفهومًا نمطيا ومحصورا في زاوية واحدة و إغفال جميع الزوايا الأخرى. 

أي أنه تصور أحاديّ فقير فلو أخذنا عينة بسيطة من المجتمع فسنجدهم يملكون نظرة إجلال وتقديس لنوعية من الأفراد مثل الأطباء أو المهندسين وتتفاوت الدرجات بين المجالات الأخرى، لكن الظاهر في الوعي الجمعي بصفة عامة أنه يعطي لنوعية من الأفراد قداسة خاصة، وصك تكريم مبالغ فيه، فهم يحثون أنفسهم بل ويجبرون أبناءهم أحيانا بالدراسة، بهدف اللّحاق بذلك النمط المعين من النخبة التي رسموها في أذهانهم، غير مدركين أنهم يخلقون صراعًا في نفسية الأبناء الذين ربما لا يحبذون ذلك النمط، وهنا نحن بصدد التحدث عن المجتمع المغاربي والعربي بصفة عامة.

يظهر لنا من هذا كله أن للمجتمع سُلم خاص لتصنيف هذه النخبة، وأرى شخصيًا أنه يعيد تعريفها حسب احتياجه المتجذر منذ سنوات والمتأثر بعدة عوامل، لكن الآن يبدو مجرد "توهم احتياج" لا أكثر لأنه نابع من شعور زائف بالتفوق والارتقاء في السلم الاجتماعي الذي يرسمه وعي جمعي مُغذى من عواطف باطنية، فالمجتمع بطبيعة الحال يحاول إرضاء نفسه وإضفاء قيمة من خلال استقائها من مهنة معينة أو رتبة ما معتبرا أنهم أصحاب النخبة والنفوذ حسب مفهومه، لذا يظهر لنا أن المفهوم المجتمعي للنخبة نمطي وفقير بسبب منبعه العاطفي.

لقد ذكرنا في السطور الأولى أن "النخبة" منذ فجر التاريخ تمتلك تأثيرًا واسع النفوذ في شتى مجالات الحضارة لأنها تعتبر واجهة لهذه الأخيرة لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل لايزال ذلك التأثير قائمًا في زماننا اليوم؟

وجب العلم أن حضارتنا المعاصرة مختلفة جذريًا عما كانت به الحضارات الغابرة، ويظهر هذا الاختلاف في شيء جوهري وهي العولمة فهذه الأخيرة قد أدمجت العالم في قالب واحد، تتخلله سهولة الاتصال بين الأفراد والأعراق، وكذا انسيابية المعلومة وسهولة الوصول إليها في المواقع الرقمية، وبعدما تحول العالم إلى قرية صغيرة بفعل كل ما سبق، قد خُلق ما يسمى بالضجيج الرقمي بسبب الغوغاء المنبثقة و الممارسة من الجمهور الذين أعطوا منابرًا لنشر كل ما يستهويهم ويروق لهم، فأضحو يخوضون في مالا يفقهون من أمور تخصّ النخب وأصحاب الكفاءة من مجالات الطب والعلوم وما إلى ذلك.

ومن هنا أصبح يصعب علينا تمييز أصحاب الكفاءة من غيرهم، لكن وجب علينا عدم إغفال نقطة جوهرية وهي أن المجتمع في حدّ ذاته مساهم في تحديد و اختيار نخبه، وقد يصعب عليه ممارسة ذلك في عصرنا المعاصر بسبب تناثر المعلومات وتداولها من طرف السطحيين، وهنا تحديدًا يظهر دور المثقف في صنع وتوجيه الآراء والحدّ من الانسياق العشوائي لمن هبّ ودب عن طريق زرع الوعي في العقول

المثقف الحقيقي ليس من يحفظ مقولات فلسفية ويكررها، بل هو الفاعل المحوري في توجيه الآراء خاصة في وسط الأزمات، فالمثقفون المخولون بدرجة كبيرة في صنع مواقف المجتمع اتجاه النخبة بصفة عامة، وتبيان النخبة الحقيقية من المزيفة.

الإجابة عن سؤالنا حول مدى تأثير النخب في عصرنا الحالي هي متغيرة تتأثر حسب نوعية المجتمع و وعيه، لكن في مجتمعاتنا نحن نرى صعوبة بناء تلك المنظومة الكافية التي تجعلنا نستقبل الفهم السوي لضرورة النخبة والمثقف في بناء الحضارة، خاصة في عصر العولمة حيث تغيّرت الكثير من المفاهيم الأصلية، هنا على مجتمعنا وبالأخص المثقفين أن يقفوا وقفة رجل واحد ليعيدوا الاعتبار للنخبة الحقيقية التي ترسم واجهة الدولة والحضارة ككل.