تبييض الأموال في لبنان
تبييض الأموال، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ”غسل الأموال”، لم يعد مجرّد جريمة مالية عابرة، بل تحوّل إلى تهديدٍ مباشرٍ للأنظمة الاقتصادية والسياسية في العالم. فالأموال غير المشروعة تُستعمل لتغطية جرائم الفساد والاتجار والتمويل غير القانوني، وتُقوّض ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.
أدرك لبنان، شأنه شأن سائر الدول العربية، خطورة الظاهرة، فسنّ في العام 2015 القانون رقم 44 لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، واضعا بذلك إطارا تشريعيا متقدّما على المستوى النظري. لكنّ التجربة اللبنانية، وبعد مرور عقدٍ تقريبا على إقرار القانون، تُظهر أن المشكلة ليست في النص، بل في التنفيذ.
من ناحية البنية القانونية حدد القانون رقم 44 الجرائم الأصلية التي تُنتج أموالًا غير مشروعة، وألزم المصارف والمؤسسات المالية وغير المالية بإبلاغ «هيئة التحقيق الخاصة» (SIC) عن أي عملية يُشتبه بأنها تُخفي مصدر الأموال أو وجهتها. وقد منح القانون الهيئة صلاحيات واسعة في التحري ورفع السرية المصرفية، وهو مبدأ طالما اعتُبر عائقًا أمام العدالة في لبنان. إلّا أنّ الممارسة كشفت عن فجوة كبيرة بين الإطار القانوني والتطبيق الفعلي.
الاقتصاد اللبناني، القائم إلى حدٍّ بعيد على النقد (cash economy)، يُعقد تتبّع حركة الأموال. كما أنّ السرية المصرفية التي رُفعت جزئيا بموجب تعديلات حديثة، لا تزال تُطبّق بانتقائية وتخضع لتفسيرات متباينة. يضاف إلى ذلك ضعف التنسيق بين الجهات الرقابية والقضائية وغياب المحاكم المالية المتخصصة، مما يجعل التحقيقات في قضايا غسل الأموال بطيئة ومحدودة الفعالية.
مقارنة لبنان مع التجارب العربية تُظهر أنه يتأخّر في مرحلة التطبيق العملي رغم تشابه النصوص التشريعية. ففي الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، شكّل المرسوم الاتحادي رقم 20 لعام 2018 نقطة تحوّل حقيقية، إذ أوجد نظاما متكاملًا للرقابة المالية والإفصاح عن الملاك الحقيقيين (Beneficial Owners)، وألزم القطاعات العقارية والتجارية بتطبيق معايير “اعرف زبونك”. وقد مكّن ذلك الدولة من الخروج من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF) سنة 2024 بعد سلسلة إصلاحات جذرية.
المملكة العربية السعودية اعتمدت منذ 2017 قانونا صارما يفرض عقوبات حبس تصل إلى عشر سنوات وغرامات مرتفعة، ويُلزم المؤسسات المالية وغير المالية بتقديم بلاغات عن العمليات المشبوهة. ويُسجَّل للمملكة تحقيقها مستوى مرتفعا من الامتثال للمعايير الدولية، بفضل الاستقلالية النسبية لوحدة المعلومات المالية والتعاون بين المصرف المركزي والنيابة العامة.
في مصر، ورغم قدم التشريع الصادر عام 2002، إلا أن الإصلاحات الأخيرة عزّزت صلاحيات وحدة المعلومات المالية، ووسّعت نطاق الرقابة لتشمل مكاتب الصرافة والعقارات. أما المغرب، فقد حاز مؤخرا تقييما إيجابيا من مجموعة MENAFATF بعد تطوير آليات الكشف عن المستفيدين الحقيقيين وإنشاء سجلٍّ وطنيٍّ خاصٍّ بهم.
إنّ أبرز ما يُميّز الحالة اللبنانية هو تداخل السياسة بالقضاء، وتحوّل بعض القضايا المالية إلى ملفات ذات طابع طائفي أو سياسي، ما يُفرغ القانون من مضمونه. كما أنّ ضعف الموارد البشرية والتقنية لدى هيئة التحقيق الخاصة، وعدم إلزام بعض المهن غير المالية (كالوسطاء العقاريين والمحامين والصاغة) بتطبيق إجراءات الامتثال، يجعل المنظومة الرقابية ناقصة وغير متكاملة. يُضاف إلى ذلك، أنّ التصنيف الرمادي الذي وُضع فيه لبنان من قبل FATF انعكس سلبا على صورته المالية، فأصبح التعامل المصرفي اللبناني موضع ريبة في الخارج، وتراجعت الثقة الدولية بقدرته على ضبط حركة الأموال العابرة للحدود.
لتجاوز هذه العقبات، لا بد من الانتقال من النصوص إلى الفعل المؤسسي عبر:
1. إنشاء محاكم مالية مختصّة بجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتدريب قضاة ومدّعين عامين في هذا المجال.
2. تفعيل رفع السرية المصرفية بصورة كاملة أمام القضاء والهيئات الرقابية، مع ضبط استعمال المعلومات ضمن الأطر القانونية.
3. إلزام المهن غير المالية بتطبيق معايير الإبلاغ والامتثال، وفق نهجٍ شبيه بما اعتمدته الإمارات والمغرب.
4. تعزيز استقلالية هيئة التحقيق الخاصة وتأمين الموارد التقنية والبشرية اللازمة لها.
5. اعتماد مبدأ الشفافية في الإفصاح عن الملاك الحقيقيين للشركات والمؤسسات، وتطوير سجلٍّ وطنيٍّ موحّد لذلك، إذ أنّ مكافحة تبييض الأموال ليست مجرد استجابةٍ لمتطلباتٍ دولية أو شروطٍ لصندوق النقد، بل هي ضرورة وطنية لحماية سيادة الدولة واستعادة الثقة بمؤسساتها، فالقانون وحده لا يصنع الشفافية، بل التطبيق الصارم والمستقل هو الذي يرسّخها.
لبنان اليوم أمام فرصةٍ أخيرة لتصحيح مساره: فإما أن يتحوّل قانون تبييض الأموال إلى أداةٍ فعليةٍ للمساءلة والمحاسبة، وإما أن يبقى مجرّد واجهة شكلية في دولةٍ تستنزفها الفوضى المالية والسياسية.