كفاءة الإدارة الداخلية ورضا المواطن

29 July 2026
ahmedalshokhp@gmail.com
د. أحمد محمد آل شٌخب
تابع الكاتب عبر :

في بداية أي حكاية مؤسسية، لا تبدو الأزمات واضحة. بل في كثير من مؤسساتنا الحكومية في الوطن العربي، تسود قناعة بأن "العجلة دايرة"؛ ومؤشرات الأداء تبدو على الورق "مقبولة" وتدعو للاطمئنان. هذا المشهد يوحي بالانضباط، لكنه في كثير من الأحيان لا يتجاوز كونه "وهم حركة"، أو حالة من الاستقرار الظاهري، لكن تحت هذا السطح الهادئ، يتآكل شيء ما: قرارات تتأخر، فرق تعمل في "جزر منعزلة"، وبطء غير مبرر يلتهم رصيد الثقة لدى المواطنين.

وعلى الرغم من كثرة التقارير التي تتحدث عن "الإصلاح الإداري" أو "التحول الرقمي"، إلا أنها غالباً ما تتجاهل الجذر الحقيقي للمشكلة. هنا تتدخل دراسة حديثة لماكينزي (نٌشرت في يناير/كانون الثاني 2026) لتقدم زاوية مختلفة وحاسمة: المشكلة ليست فقط في "ماذا تفعل المؤسسات"، بل في "حالتها من الداخل" أثناء ذلك العمل.

تؤكد ماكينزي أن "الصحة التنظيمية للمؤسسة" ليست مجرد ترف إداري، بل هي أحد أقوى محركات الأداء في القطاع العام وأكثرها قابلية للتحكم فيه؛ فالمؤسسة لا تقف في وضع "محايد"، بل هي إما تدفع الأداء للأمام أو تعرقله. ومن هذا المنطلق، نكتشف أن الاتصال السياسي لا يمكن أن ينجح في سد فجوة الثقة إذا كان يغطي على واقع مؤسسي هش؛ فالمؤسسات التي تعتمد على "دوران العجلة" فقط دون صحة تنظيمية حقيقية، ستجد نفسها عاجزة عن ترجمة إنجازاتها إلى ثقة مستدامة لدى المواطن، لتصبح محاولات "إدارة الصورة" مجرد محاولة لتجميل واقعٍ لم يعد يُقنع أحداً.

تخيل صانع قرار يراجع التقارير الدورية: أرقام الإنجاز محققة، والميزانيات تُصرف، والمشروعات تتحرك. لكن عند النظر إلى المؤشرات الأعمق، مثل مستويات رضا المواطنين، أو إرهاق الفرق الداخلية، أو سرعة الاستجابة للأزمات، أو الولاء للمؤسسة، تظهر فجوة كبيرة.

وهنا فقط يقع الخطأ الحقيقي: التركيز على النتائج دون فهم ما يصنعها. ماكينزي تقدم رؤية حاسمة لهذا، وهي أن هناك علاقة طردية مباشرة بين "الصحة التنظيمية" وبين الأداء الفعلي، وخدمة المواطن، وتعزيز الثقة. أي إن أي تراجعًا بسيطًا في "صحة" المؤسسة سواء في وضوح الأدوار أو في جودة القيادة، ينعكس فورًا على جودة الخدمة، ويحوّل الإنجازات إلى أرقام لا يشعر بها المواطن.

في منطقتنا العربية، غالبًا ما يُختزل الاتصال السياسي في "إدارة الصورة" والحملات الإعلامية. لكن التحدي الحقيقي يكمن في السؤال: ماذا لو كانت الرسالة "صحيحة"، لكن المؤسسة نفسها غير قادرة على تجسيدها؟

النتيجة الحتمية هي "فجوة المصداقية". فإذا كان الاتصال يروّج لـ "كفاءة"، بينما المواطن يلمس "بيروقراطية"، فإن كل جهد اتصالي يرتد عكسيًا ويُعمق الشك. لا يمكن لأي استراتيجية اتصال أن تنجح إذا كانت "الصحة التنظيمية" ضعيفة، لأن المؤسسة المريضة داخليًا تعجز عن تحويل الوعود إلى واقع ملموس.

تُرجع ماكينزي ضعف أداء كثير من مؤسسات القطاع العام إلى عوامل داخلية تبدو للوهلة الأولى إدارية، لكنها في الحقيقة تمثل الأسباب الجذرية التي تحدد قدرة المؤسسة على الإنجاز، وقدرتها كذلك على كسب ثقة المواطنين. فعندما تغيب الصحة التنظيمية، لا تتراجع الكفاءة التشغيلية فقط، بل تتسع أيضًا الفجوة بين ما تعلنه المؤسسة وما يعيشه المواطن على أرض الواقع. ومن أبرز هذه العوامل:

  • غياب الوضوح الاستراتيجي: عندما لا تكون الأولويات واضحة، أو تتزاحم المبادرات دون اتجاه موحد، تتحول الجهود إلى حركة مستمرة بلا أثر حقيقي، وتصبح المؤسسة مشغولة أكثر من كونها منتجة.

  • ضعف المساءلة وتمكين القيادات: غموض الأدوار، وغياب المساءلة المرتبطة بالنتائج، يقللان من شعور الأفراد بالمسؤولية، ويجعلان الإنجاز مسؤولية جماعية لا يحاسب عليها أحد.

 

  • ثقافة الجزر المنعزلة (Silos): عندما يعمل كل قطاع بمعزل عن الآخر، تتباطأ القرارات، وتتكرر الجهود، وتتعطل الحلول المشتركة، بينما يفقد المواطن القدرة على التعامل مع مؤسسة تتحدث بصوت واحد.

  • التركيز على مؤشرات النشاط بدلًا من مؤشرات الأثر: كثير من المؤسسات تُجيد قياس ما أنجزته داخليًا، لكنها لا تقيس الأثر الحقيقي الذي أحدثه هذا الأداء لدى أصحاب المصلحة؛ فلا تقيس تجربة المواطن، أو رضا الموظفين، أو مستوى الثقة الذي تبنيه المؤسسة لدى المتعاملين معها، مكتفيةً بمؤشرات تشغيلية لا تعكس القيمة الفعلية التي تحققها..

هنا تكمن المفارقة؛ فالمشكلة ليست في غياب الإنجاز، وإنما في وجود مؤسسة تنشغل بقياس ما تُنجزه، أكثر من قياس الأثر الذي تُحدثه. فالمؤسسة التي لا تُحسن إدارة علاقتها بأصحاب المصلحة، ولا تقيس مستوى رضاهم وثقتهم، ستظل تحقق إنجازات على الورق، بينما تتآكل ثقة المجتمع بها تدريجيًا.

الخطأ الشائع أن يُنظر إلى الصحة التنظيمية باعتبارها ملفًا داخليًا يخص الموارد البشرية، بينما الحقيقة أنها تبدأ بالموظف، وتمر بالمؤسسة، وتنتهي بالمواطن. فالموظف ليس مجرد منفذ للسياسات، بل هو أول من يختبر جودة القيادة، ووضوح الرؤية، وعدالة بيئة العمل، وفرص التعلم، والتمكين، والابتكار. فإذا افتقد هذه العناصر، انعكس ذلك مباشرة على جودة الخدمة التي يتلقاها المواطن. ولهذا، فإن الاستثمار في الصحة التنظيمية يعني الاستثمار في الإنسان داخل المؤسسة قبل الاستثمار في الصورة خارجها. فالموظف الذي يعمل في بيئة صحية ينتج خدمة أفضل، والخدمة الأفضل تبني ثقة المواطن، والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي حكومة.

إذا كان هناك درس واحد يمكن استخلاصه من التقرير، فهو أن الصحة التنظيمية ليست مشروعًا للموارد البشرية، ولا مؤشرًا إداريًا يُضاف إلى التقارير السنوية، بل هي قرار قيادي يحدد قدرة المؤسسة على تحقيق رسالتها. لكن هذا القرار يبدأ من الداخل، يبدأ من الموظف قبل أن يصل إلى المواطن.

لا يمكن مطالبة الموظف بتقديم خدمة استثنائية، بينما يعمل في بيئة تفتقر إلى التمكين، أو العدالة، أو فرص التطوير، أو وضوح الأدوار، أو التقدير. كما لا يمكن انتظار الابتكار من مؤسسة لا تحمي المبادرة، ولا تكافئ الإبداع، ولا تستثمر في بناء قدرات كوادرها.

لهذا، فإن بناء مؤسسة صحية يعني أن يصبح الموظف أحد أهم أصحاب المصلحة، وأن يُقاس رضاه الوظيفي، وتُطوَّر قدراته، ويُمنح مساحة للمشاركة وصنع القرار، ويعمل في بيئة تشجع التعلم والتعاون والابتكار، لا مجرد تنفيذ التعليمات.

وفي المقابل، يبقى المواطن هو الاختبار الحقيقي لنجاح هذا الاستثمار الداخلي؛ لأن جودة الخدمة، وسرعة الإنجاز، ومستوى الثقة في مؤسسات الدولة، ليست سوى انعكاس مباشر لصحة المؤسسة من الداخل. لهذا، فإن الأولوية ليست تحسين الصورة الذهنية للمؤسسة، بل بناء مؤسسة يثق فيها موظفوها أولًا حتى يثق فيها المواطنون لاحقًا.