لماذا نتمسك بنظام الـ 9 صباحاً للعمل؟

21 July 2026
Abaalrous@gmail.com
غازي ابا الروس
تابع الكاتب عبر :

​في معظم دول الشرق الأوسط، نعيش مفارقة يومية؛ فنحن نتمسك بنظام عمل يبدأ في التاسعة صباحاً وينتهي في الخامسة مساءً، وهو قالب "مستورد" لا يتناسب مع طبيعة أجوائنا الحارة، ولا مع إيقاع حياتنا المرتبط بصلاة الفجر، ولا مع حيوية أسواقنا المحلية. إن التمسك بهذا التوقيت ليس مجرد تفضيل إداري، بل هو عائق أمام جودة الحياة والإنتاجية.

​هذا النظام صُمم لمناخات باردة وسياقات اجتماعية تختلف عنا كلياً، ففي منطقتنا، ذروة التوجه للعمل تتزامن مع تصاعد درجات الحرارة. هذا يستنزف طاقة الموظف البدنية والذهنية قبل أن يبدأ مهمته الأولى، كما أن مجتمعاتنا تبدأ يومها مع صلاة الفجر، وهي أثمن ساعات النهار صفاءً ونشاطاً، وإجبار الموظفين على الانتظار حتى الساعة التاسعة هو هدر لأعلى ساعات الإنتاجية البشرية في يومنا.

​لا تظن أن العالم كله يسير على وتيرة واحدة؛ فالدول الأكثر إنتاجية في العالم بدأت بالفعل بتفكيك هذا النظام لصالح نماذج أكثر ذكاءً:

​فنلندا (نموذج الانتهاء المبكر): يُعد من الطبيعي جداً في فنلندا أن ينهي الموظفون عملهم في الساعة 2:30 ظهراً. الثقافة هناك قائمة على "الكفاءة لا التواجد"؛ فالموظف الذي ينجز مهامه بتركيز عالٍ في الصباح يحصل على حق الاستمتاع ببقية يومه مع عائلته. هذا النموذج يعزز من جودة الحياة ويقلل من الاحتراق الوظيفي.

​آيسلندا وبلجيكا (ضغط الساعات): تتبنى هذه الدول نماذج العمل المكثف (4 أيام عمل أسبوعياً)، حيث يوزع الموظفون ساعات عملهم بطريقة مرنة. بلجيكا مثلاً أعطت الموظف الحق القانوني في طلب العمل بنظام "4 أيام طويلة" بدلاً من 5 أيام قصيرة، ليتفرغ الموظف تماماً في بقية الأيام.

​الشركات التقنية العالمية (العمل بالنتائج): شركات مثل "Dell" تتبع سياسة "العمل أينما وكيفما شئت". الهدف هو إتمام المهمة المطلوبة، مما يسمح للموظف في دولنا العربية، لو طُبق هذا النموذج، بالعمل في الساعات التي تناسب طاقته (مثلاً من الفجر إلى الظهر) وتجنب زحام الحرارة.

​إن اقتراحنا ببدء العمل مع الفجر أو التكيف مع أوقات السوق ليس خياراً ترفيهياً، بل ضرورة اقتصادية، فالعمل وفق الفطرة والمناخ، من الفجر حتى الظهر، يعني استغلال "برودة الجو" وصفاء الذهن، وهذا يقلل من استهلاك الطاقة في تكييف المكاتب ويقلل من استهلاك الوقود في الازدحامات الصباحية المعتادة.

​كذلك تزدهر أسواقنا العربية في الصباح الباكر أو بعد المغرب، فلماذا نجبر الموظفين على التواجد في مكاتبهم في الساعات التي لا يوجد فيها حركة سوقية، ونغلق الخدمات في الساعات التي يحتاجها الناس فعلاً؟

​ الانتقال من التوقيت الإجباري إلى المرن يحول الموظف من شخص ينتظر انتهاء الدوام إلى شخص يسابق الزمن لإنجاز مهامه ليحصل على وقته الخاص.

في المحصلة نحن بحاجة للتوقف عن استنساخ نماذج عمل أوروبية قديمة (9-5) وتطوير نموذج محلي يناسب جغرافيتنا، كما أن العبرة تكمن بانتهاء العمل، لا بعدد الساعات التي قضاها الموظف في المكتب تحت ضغط التكييف. يجب أن تتماشى سياسات العمل مع حركة الأسواق والخدمات العامة، مما يمنح المجتمع حيوية على مدار اليوم، لا في ساعات محصورة فقط.

​إن الإنتاجية في الشرق الأوسط تحتاج إلى "توطين" لمفهوم الوقت. إننا نملك الموارد والقدرات، ولكننا ما زلنا نكبلها بقيود زمنية عفا عليها الزمن. التوقيت الذي يبدأ مع الفجر، أو يتناغم مع فترات الصيف والمساء، هو ليس مجرد تغيير في الجدول، بل هو استعادة لاحترام فطرتنا ومناخنا وإنتاجيتنا.