هل هي ملامح حوار سوداني جديد؟

08 July 2026
shareeeef71@gmail.com
اسماعيل شريف
تابع الكاتب عبر :

بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي أنهكت السودان، عاد الحديث عن الحوار السياسي إلى واجهة المشهد، ليس عبر مبادرة خارجية أو وساطة إقليمية، وإنما من داخل مؤسسات الدولة نفسها. فقد أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في خطابه بمناسبة عيد الأضحى، عزم الحكومة إطلاق حوار سوداني–سوداني يُعقد داخل البلاد، تتوفر له الضمانات اللازمة، ويهدف إلى بناء توافق وطني يؤسس لمرحلة ما بعد الحرب.

ولم تمض سوى أيام حتى وجّه نائب رئيس مجلس السيادة ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، مالك عقار، رسالة سياسية إلى تحالف "صمود"، دعا فيها إلى حوار ينطلق من سؤال جوهري: ما طبيعة الحرب التي يشهدها السودان؟ وهل هي مجرد مواجهة عسكرية، أم أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة وبنيتها السياسية؟

وجاءت هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية، لا سيما من الولايات المتحدة، للدفع نحو هدنة إنسانية ومسار سياسي ينهي الحرب، وهو ما جعل كثيرين يربطون بين هذه التحركات، دون الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بينها.

في خطاب عيد الأضحى، دعا البرهان إلى إطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان، مؤكداً أن السودانيين وحدهم هم من ينبغي أن يقرروا مستقبل بلادهم، بعيداً عن أي إملاءات خارجية، مع توفير الضمانات اللازمة لإنجاح الحوار وتنفيذ مخرجاته، كما شدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب توافقاً وطنياً يؤسس لاستكمال الانتقال السياسي، مع التأكيد على عدم إشراك من تورطوا في جرائم بحق المدنيين أو شاركوا في الحرب ضد الدولة.

ورغم الترحيب الذي قوبلت به الدعوة في بعض الأوساط، فإنها أثارت أيضاً تساؤلات حول آليات تنفيذها، والجهات التي ستشارك فيها، وما إذا كانت ستتحول إلى عملية سياسية متكاملة أم ستظل في حدود الخطاب السياسي.

في هذا السياق، جاءت رسالة مالك عقار لتلفت الانتباه، ليس فقط بسبب مضمونها، وإنما أيضاً بسبب توقيتها والجهة التي خُوطبت بها، فالرسالة لم تبدأ بقضايا وقف إطلاق النار أو تقاسم السلطة، بل طرحت سؤالاً يتعلق بتعريف الحرب نفسها، باعتباره مدخلاً لأي نقاش سياسي لاحق. كما وجهت الدعوة عملياً إلى تحالف "صمود"، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات حول أسباب اختيار هذا التحالف تحديداً، في مقابل غياب قوى سياسية أخرى عن دائرة المخاطبة المباشرة.

ويرى مراقبون أن الرسالة يمكن قراءتها باعتبارها أول تحرك سياسي معلن يأتي في أعقاب دعوة البرهان للحوار، بينما يرى آخرون أنها تمثل محاولة لاختبار استعداد القوى المدنية للانخراط في نقاش جديد حول مستقبل الدولة.

وتزامنت هذه التحركات مع تصريحات للمبعوث الأمريكي مسعد بولس أمام مجلس الأمن، دعا فيها إلى وقف القتال وإطلاق عملية سياسية، معتبراً أن استمرار الدعم العسكري للأطراف المتحاربة يطيل أمد النزاع ويزيد من معاناة المدنيين.

وقد أثارت تلك التصريحات ردود فعل سودانية رسمية، إذ رفض مندوب السودان لدى الأمم المتحدة ما اعتبره تحميل الحكومة مسؤولية تعثر جهود السلام، مؤكداً أن الأزمة لا يمكن فصلها عن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع.

هذا التزامن بين الضغوط الدولية والتحركات السياسية الداخلية دفع بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن السلطة تسعى إلى إظهار انفتاحها على الحل السياسي، فيما يرى آخرون أن المبادرات الداخلية تعكس قناعة متزايدة بأن الحرب، مهما امتدت، لن تحسم مستقبل البلاد بمفردها.

لا توجد مؤشرات قاطعة تثبت أن رسالة عقار جاءت استجابة مباشرة للضغوط الأمريكية، كما لا توجد أدلة على أنها تمثل تحولاً استراتيجياً كاملاً في موقف السلطة. لكن تقارب الأحداث يمنح هذه القراءة قدراً من الوجاهة السياسية، فالسلطة تجد نفسها أمام معادلة معقدة: ضغوط خارجية تدفع نحو التسوية، وتحديات داخلية تتطلب الحفاظ على التماسك السياسي والعسكري، ورأي عام أنهكته الحرب وأصبح أكثر تطلعاً إلى نهاية حقيقية للصراع.

وفي المقابل، تجد القوى المدنية نفسها أمام اختبار جديد، يتمثل في كيفية التعامل مع الدعوات الرسمية للحوار، وما إذا كانت ستتعامل معها باعتبارها فرصة لإطلاق مسار سياسي، أم مجرد مبادرات لا تتوافر لها الضمانات الكافية.

ويجمع عدد من المراقبين على أن نجاح أي مبادرة لن يتوقف على صدور الدعوات وحدها، وإنما على تهيئة بيئة سياسية وأمنية تسمح بحوار حقيقي، يشمل القضايا الجوهرية التي أفرزتها الحرب، وفي مقدمتها مستقبل المؤسسة العسكرية، والعلاقة بين المركز والأقاليم، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وصياغة عقد وطني جديد.

وفي هذا الإطار، تبدو رسالة عقار وخطاب البرهان جزءاً من حراك سياسي لا تزال ملامحه في طور التشكل، بينما سيظل الحكم على جدية هذا المسار مرهوناً بما ستكشفه الأسابيع المقبلة من خطوات عملية، سواء على مستوى التواصل مع القوى السياسية، أو إطلاق ترتيبات واضحة للحوار.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل هذه التحركات بداية مسار سياسي جديد ينهي واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ السودان الحديث، أم أنها ستضاف إلى سلسلة المبادرات التي توقفت عند حدود البيانات والرسائل، دون أن تتمكن من العبور إلى أرض الواقع؟