هل يربح أردوغان من أزمات الناتو؟
أمضى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سنوات طويلة في خلافات متكررة مع عدد من شركاء بلاده داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بدءا من منظومة «إس-400» الروسية، مرورًا بالتوتر مع اليونان وفرنسا، وصولًا إلى اعتراضه على انضمام السويد للحلف.
في أكثر من مناسبة، بدا وكأن العلاقة بين أنقرة والعواصم الغربية تتجه نحو مزيد من التباعد. لكن التطورات الدولية المتلاحقة خلال الأعوام الأخيرة تطرح السؤال التالي: هل انتهت تلك الخلافات فعلًا، أم أن الأزمات العالمية جعلت الغرب أكثر استعدادًا للتعايش معها؟
لا تكمن الإجابة في تغير سياسات أردوغان بقدر ما تكمن في تغير البيئة الإستراتيجية المحيطة بالناتو. فالحلف الذي كان ينظر إلى بعض التحركات التركية بوصفها مصدرًا للإرباك، أصبح يجد نفسه اليوم أمام واقع أمني يجعل تجاهل تركيا أكثر كلفة من الخلاف معها. ومن هنا، قد يكون أردوغان أحد أكثر القادة الذين استفادوا سياسيًا واستراتيجيًا من التحولات التي فرضتها الأزمات الدولية، ليس لأن خصومه تراجعوا عن مواقفهم، وإنما لأن أولوياتهم تغيرت.
لقد شكّلت الحرب الروسية الأوكرانية نقطة تحول أساسية في هذه المعادلة. فمع انتقال البحر الأسود إلى قلب المنافسة بين روسيا والغرب، استعادت تركيا أهمية لم تكن مرتبطة فقط بعضويتها في الناتو، بل بموقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في موازين الإقليم. كما برزت أهمية اتفاقية مونترو التي منحت أنقرة دورًا مؤثرًا في تنظيم حركة السفن العسكرية عبر المضائق، وهو ما جعلها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية تخص البحر الأسود.
في الوقت نفسه، لم تكتفِ تركيا بدورها الجغرافي، بل عززت حضورها عبر صناعاتها الدفاعية التي شهدت تطورًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبحت الطائرات المسيّرة والأنظمة الدفاعية التركية جزءًا من النقاش الأوروبي حول بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالًا، وهو تطور يصعب فصله عن إدراك متزايد داخل الغرب بأن الصناعات العسكرية لم تعد حكرًا على القوى التقليدية، وأن تركيا باتت تمتلك خبرات إنتاجية وعملية يصعب تجاهلها.
ولم تتوقف التحولات عند أوروبا. فالشرق الأوسط، الذي عاد ليحتل موقعًا متقدمًا في أولويات الأمن الغربي بفعل الحرب في غزة، والتوتر مع إيران، وتهديدات الملاحة البحرية، أعاد بدوره إبراز أهمية الدور التركي. فأنقرة ترتبط بعلاقات متشابكة مع معظم أطراف الإقليم، وتحتفظ بقنوات اتصال يصعب على كثير من العواصم الغربية امتلاكها بالفاعلية نفسها. وهذا لا يعني أن مواقف تركيا تتطابق مع مواقف الحلف، لكنها تمنحها قدرة على الحركة والمناورة تجعلها لاعبًا يصعب استبعاده من أي ترتيبات إقليمية.
واللافت أن كثيرًا من الملفات التي كانت تُستخدم سابقًا لانتقاد السياسة الخارجية التركية أصبحت تُقرأ اليوم من زاوية مختلفة. فالسياسة التي وصفها البعض بأنها ابتعاد عن الغرب، ينظر إليها آخرون الآن باعتبارها محاولة لبناء هامش من الاستقلالية يتيح لأنقرة التحدث مع أطراف متنافسة في الوقت نفسه. وقد ظهر ذلك في قدرتها على الحفاظ على قنوات اتصال مع روسيا رغم دعمها لأوكرانيا، وفي استمرار حضورها داخل مؤسسات الناتو مع احتفاظها بسياسات إقليمية مستقلة في عدد من الملفات.
لكن القول إن أردوغان أصبح «الرابح الأكبر» لا يعني أن طريقه بات خاليًا من التحديات. فما زالت الخلافات مع عدد من الدول الأوروبية قائمة، سواء بشأن ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو الخلافات في شرق المتوسط، أو مستقبل العلاقات مع روسيا، أو بعض القضايا المتعلقة بسوريا. كما أن جزءًا من النخب السياسية الأوروبية لا يزال ينظر بحذر إلى السياسة الخارجية التركية، ويعتبر أن التقارب الحالي تحكمه الضرورات الأمنية أكثر مما تحكمه الثقة السياسية.
ومن هنا، فإن الحديث عن انتصار تركي كامل سيكون قراءة مبالغًا فيها، تمامًا كما أن الحديث عن عزلة تركية أصبح أقل إقناعًا مما كان عليه قبل سنوات. فالواقع يشير إلى علاقة أكثر تعقيدًا؛ خلافات لم تختفِ، لكنها لم تعد كافية لتهميش الدور التركي داخل الحلف. لقد انتقل الناتو من محاولة تغيير سلوك تركيا إلى محاولة إدارة الخلاف معها، لأن البيئة الأمنية الجديدة جعلت الحفاظ على تماسك الحلف أولوية تتقدم على كثير من الخلافات السياسية.
وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الأزمات التي اعتقد البعض أنها ستضعف موقع أنقرة داخل المنظومة الغربية، ساهمت في تعزيز أهميتها. فالحرب في أوكرانيا، والتنافس مع روسيا، وأمن الطاقة، وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط، وإعادة تسليح أوروبا، جميعها ملفات جعلت الموقع الجغرافي لتركيا، وقدراتها العسكرية، وشبكة علاقاتها الإقليمية، عناصر يصعب الاستغناء عنها. ولم يكن ذلك نتيجة تغير جذري في السياسة التركية، بل نتيجة تغير البيئة الدولية التي أعادت تقييم قيمة هذه السياسة.
وفي النهاية، قد يكون من المبكر الجزم بأن أردوغان هو «الرابح الأكبر» من أزمات الناتو، لكن من الصعب أيضًا إنكار أن هذه الأزمات أعادت تشكيل موقع تركيا داخل الحسابات الغربية. فبعد سنوات كان السؤال فيها يدور حول حدود ابتعاد أنقرة عن الحلف، أصبح السؤال اليوم يدور حول حدود قدرة الناتو على التعامل مع تحدياته الأمنية من دونها. وبين السؤالين، تكمن قصة تحول استراتيجي قد يكون أحد أهم نتائج المرحلة الراهنة في العلاقات بين تركيا والغرب.