هل تغيّرت الصين... أم تغيّرت الماركسية نفسها؟

07 July 2026
هل نحن أمام تطور جديد في الفكر الماركسي؟ (رويترز)
هل نحن أمام تطور جديد في الفكر الماركسي؟ (رويترز)
riadhilal84@gmail.com
د. رياض هلال
تابع الكاتب عبر :

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، لم يعد السؤال الأكثر حضورًا في الفكر السياسي "هل سقطت الاشتراكية؟"، بل أصبح سؤالًا أكثر تعقيدًا: "هل ما زالت الماركسية قادرة على تفسير العالم الذي نعيش فيه؟"
ولعل الصين هي الدولة التي وضعت هذا السؤال أمام أصعب اختبار في القرن الحادي والعشرين.
فالدولة التي يقودها حزب شيوعي، والتي لا تزال تعلن التزامها بالماركسية اللينينية، أصبحت في الوقت نفسه ثاني أكبر اقتصاد في العالم. كما تضم أكبر قطاع صناعي، وأكبر احتياطي نقدي، وآلاف الشركات الخاصة، ومئات المليارديرات، وأسواقًا مالية تنافس كبريات البورصات العالمية.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
هل غيّرت الصين الماركسية، أم أن الماركسية هي التي سمحت للصين بأن تتغير؟
قد يبدو السؤال نظريًا، لكنه في الحقيقة يمس جوهر أحد أهم المشاريع الفكرية في التاريخ الحديث.
فماركس لم يكتب كتابًا بعنوان "كيف تبنون الاشتراكية"، ولم يضع دستورًا اقتصاديًا للدول الاشتراكية. بل قدّم منهجًا لتحليل الرأسمالية وتناقضاتها، واعتبر أن تطور المجتمعات تحكمه حركة التاريخ، لا النصوص الجامدة.
ولهذا كان يرفض أن تتحول أفكاره إلى عقيدة مغلقة، حتى إنه قال في إحدى المناسبات الشهيرة "أنا لست ماركسيًا"، اعتراضًا على من حاولوا تحويل تحليلاته إلى منظومة جامدة منفصلة عن الواقع.

جاء لينين بعد ذلك ليقدم أول اختبار عملي لهذا المنهج. وبعد سنوات قليلة من الثورة الروسية، وجد نفسه أمام اقتصاد منهار ومجاعة وحرب أهلية. فلم يتردد في إطلاق "السياسة الاقتصادية الجديدة" (NEP)، التي أعادت قدرًا من اقتصاد السوق والملكية الخاصة. ولم يقدّمها بوصفها تخليًا عن الاشتراكية، بل وسيلة لحماية الثورة نفسها.
لكن ما اعتبره لينين مرحلة انتقالية قصيرة، حولته الصين إلى استراتيجية امتدت لعقود.
وهنا يكمن التحول الأكبر.
فعندما أطلق دنغ شياو بينغ سياسة الإصلاح والانفتاح، لم يطرح السؤال التقليدي "كيف نلغي السوق؟"، بل سأل "كيف نجعل السوق يخدم مشروع الدولة؟"
ومنذ ذلك الوقت، لم تعد الصين تنظر إلى السوق بوصفه مرادفًا للرأسمالية، بل باعتباره أداة يمكن استخدامها لتحقيق أهداف اشتراكية، شرط أن يبقى القرار السياسي في يد الحزب، وأن تحتفظ الدولة بالسيطرة على القطاعات الاستراتيجية، وأن يظل التخطيط طويل الأمد فوق اعتبارات الربح الآني.
هذا التحول دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن الصين غادرت الاشتراكية، بينما رأى آخرون أن ما تغير ليس الاشتراكية، بل طريقة بنائها.
وهنا تبرز واحدة من أكثر الإشكاليات الفكرية إثارة في العصر الحديث.
هل الاشتراكية تُعرَّف بملكية الدولة لوسائل الإنتاج؟ أم بقيادة الطبقة الحاكمة؟ أم بطريقة توزيع الفائض الاقتصادي؟ أم بالعلاقات الاجتماعية التي ينتجها الاقتصاد؟
الإجابة ليست سهلة.
فالصين اليوم تضم شركات خاصة عملاقة وأسواقًا تنافسية ورؤوس أموال ضخمة، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بسيطرة الدولة على النظام المالي والطاقة والبنية التحتية والصناعات الاستراتيجية. كما لا يسمح الحزب الشيوعي لأي قوة اقتصادية بأن تتحول إلى منافس سياسي للدولة.
لكن ذلك لا ينهي النقاش، فالماركسية لم تكن، في جوهرها، نظرية عن الملكية فقط، بل عن علاقات الإنتاج أيضًا.
وهنا يطرح منتقدو التجربة الصينية سؤالًا مشروعًا: إذا كانت علاقات العمل تقوم على العمل المأجور، وإذا كانت المنافسة وتراكم رأس المال والتفاوت الاجتماعي تتوسع باستمرار، فهل يكفي احتفاظ الحزب الشيوعي بالسلطة السياسية للقول إن النظام لا يزال اشتراكيًا؟
إنه سؤال لا تستطيع الشعارات وحدها الإجابة عنه.

في المقابل، يرد أنصار التجربة بأن المعيار الحقيقي ليس وجود السوق، بل من يتحكم به. فالرأسمالية، في نظرهم، ليست مجرد شركات خاصة، بل هي هيمنة رأس المال على القرار السياسي. أما في الصين، فما زال الحزب هو الذي يحدد الاتجاهات الكبرى للتنمية، ويعيد توظيف جزء كبير من الفائض الاقتصادي في البنية التحتية والتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، ويضع قيودًا على توسع رأس المال عندما يرى أنه يهدد المصلحة الوطنية.
وربما لهذا السبب لا تقدم التجربة الصينية إجابة نهائية بقدر ما تطرح سؤالًا جديدًا على الفكر الماركسي نفسه.
فإذا نجحت الصين في الجمع بين اقتصاد السوق وقيادة الدولة ومنع رأس المال من السيطرة على القرار السياسي، فإنها تكون قد وسعت أدوات الماركسية من دون أن تتخلى عن منطلقاتها الأساسية.
أما إذا تحول رأس المال، مع مرور الزمن، إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل الدولة والحزب معًا، فإن التجربة تكون قد سلكت طريقًا مختلفًا مهما بقيت الشعارات على حالها.
لهذا لم يعد السؤال "هل الصين اشتراكية أم رأسمالية؟"
السؤال الأعمق "هل نحن أمام تطور جديد في الفكر الماركسي، أم أمام نموذج اقتصادي جديد لا تنطبق عليه التصنيفات التقليدية؟"
ربما يكون التاريخ وحده قادرًا على تقديم الجواب.
لكن المؤكد أن الصين أجبرت العالم، وأجبرت الماركسيين أنفسهم، على إعادة طرح الأسئلة التي ظن كثيرون أنها حُسمت منذ زمن.
وهذا، في حد ذاته، قد يكون أهم إنجاز فكري للتجربة الصينية. فهي لم تغيّر موازين الاقتصاد العالمي فحسب، بل أعادت فتح النقاش حول معنى الاشتراكية، وحدود السوق، وعلاقة الدولة برأس المال، في زمن لم تعد فيه النظريات الكبرى قادرة على الاكتفاء بإجابات القرن التاسع عشر عن أسئلة القرن الحادي والعشرين.