حضرموت والعبوة الغادرة
تحمل عملية اغتيال الزميل محمد عيضة، مراسل قناتي العربية والحدث، في قلب مدينة المكلا، أبعاداً تتجاوز تصفية جسدية لصحفي ميداني كرس حياته لنقل الحقيقة؛ إنها جرس إنذار مرعب يفصح عن مرحلة حرجة تتهدد واحدة من أكثر المناطق الحضرمية تمسكاً بمدنيتها وسكينتها المتجذرة.
لم تكن تلك العبوة الناسفة التي انفجرت غدراً بسيارة الصحافي لتستهدف شخص عيضة فحسب، بل جرى توجيهها لتفخيخ السلم المجتمعي العام، وخلخلة النسيج الأمني المستقر لحضرموت.
تكتسب هذه الجريمة خطورة استثنائية من جغرافيا وقوعها. فالمكلا التي احتضنت محمد عيضة عقب نزوحه قسراً من صنعاء عام 2018 هرباً من بطش الميليشيات وملاحقاتها، ظلت طوال سنوات الحرب الطويلة واحة أمنية وملاذًا آمنًا لأصحاب الرأي والكلمة الحرة. أن يتحول شارع الستين وسط هذه المدينة الهادئة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية وتفجير السيارات عن بُعد، يمثل تطوراً دراماتيكياً يعني بالضرورة أن قوى الشر تحاول نقل الفوضى المستدامة إلى جغرافيا التوافق والسلام والتعايش.
إن استهداف عين الحقيقة هو استهداف مباشر للمجتمع الحضرمي وأمنه؛ إذ تهدف هذه العمليات الإرهابية إلى فرض حالة من تكميم الأفواه، وإشاعة الذعر، وإظهار السلطات المحلية بمظهر العاجز عن تأمين النخب المدنية والإعلامية، وهو ما يمهد لضرب السكينة العامة التي يتكئ عليها المواطنون في تسيير حياتهم اليومية.
الخطر الأكبر الذي يلوح في أفق حضرموت اليوم ليس الجريمة المعزولة في حد ذاتها، بل ما يمكن أن يترتب عليها من فراغ تستغله التنظيمات المتطرفة والجماعات المارقة والمليشيات الدخيلة على ثقافة هذه البلاد. لطالما عُرفت حضرموت برفضها القاطع لكل أشكال الغلو والعنف، واشتهر الحضارم عبر التاريخ بنبذهم للصراعات المسلحة، وحرصهم البالغ على سلامة الجميع، والتعامل بحكمة تشهد لها السير والوقائع؛ لذا فإن أي تراخٍ في ضبط المشهد الأمني وترك ثغرات في جدار الاستقرار الميداني سيفتح الأبواب على مصراعيها للقوى العابرة والدخيلة لتشويه السمعة التاريخية الناصعة لحضرموت العريقة.
إن الجماعات المتطرفة تتغذى وتنتعش في بيئات التوجس والارتخاء الأمني، وإن الإخفاق في تقديم رد حازم وسريع على اغتيال عيضة سيعطي الضوء الأخضر لتلك الكيانات المارقة لتعيد ترتيب صفوفها والعبث بأمن الساحل والوادي على حد سواء.
أمام هذا المنعطف الخطير، تصبح المسؤولية ملقاة بشكل مباشر على عاتق الأجهزة الأمنية والعسكرية، والسلطة المحلية بحضرموت، ووزارة الداخلية، ومجلس القيادة الرئاسي. إننا نناشد هذه الجهات ذات العلاقة بالتحرك الفوري والجاد لإعادة تقييم شامل للملف الأمني، وسد الفجوات الاستخباراتية بشكل يحفظ كرامة المجتمع الحضرمي وسكينة منطقته.
لم يعد كافياً تشكيل لجان التحقيق المشتركة واكتفاء البيانات الرسمية بالتنديد؛ بل يجب تحويل تلك الإجراءات إلى واقع ملموس عبر:
تطهير خلايا الإرهاب: سرعة تتبع خيوط الجريمة، وتوقيف المخططين والمحرضين، وقطع دابر المليشيات التي تسعى إلى جعل حضرموت ساحة مفتوحة للاغتيالات.
تأمين النخب وحرية التعبير: فرض تدابير وقائية صارمة لحماية الإعلاميين والصحفيين الذين باتوا يواجهون تهديدات متصاعدة صريحة.
تمكين الكفاءات المحلية: تعزيز دور الأجهزة الأمنية المحلية ورفدها بالإمكانات اللوجستية الحديثة لضمان استباق العمليات الغادرة قبل وقوعها.
إن حضرموت التي دافعت عن أمنها في أحلك الظروف قادرة اليوم، بتلاحم أبنائها ويقظة سلطاتها، على طرد هذا الداء الدخيل؛ شرط ألا يُسمح للتهاون بأن يصنع فراغاً تتسلل منه خفافيش الظلام للاستيطان في أرض النور والسلام.