الصحفي الخصم أو الشريك

17 June 2026
ahmedalshokhp@gmail.com
د. أحمد محمد آل شٌخب
تابع الكاتب عبر :

تخيل وزيراً يفتح الصحف صباحاً ليجد خبراً سلبياً عن مؤسسة تتبع وزارته، يقرأ العنوان بغضب ويسأل مساعديه: لماذا لم يتصل بنا الصحفي قبل النشر؟ لكن ما لا يعرفه أن الصحفي حاول الاتصال أكثر من مرة، ولم يتلقَّ رداً. كان لديه موعد نشر لا ينتظر، فبحث عن مصادر أخرى، وحصل على رواية أخرى، ونشر ما توفّر له من معلومات.

في هذه اللحظة لا تبدأ أزمة إعلامية فحسب، بل تتكشف مشكلة أعمق تتكرر يومياً في مؤسسات كثيرة: كيف يتحول غياب التواصل إلى أزمة، وكيف يتحول الصحفي من شريك محتمل إلى خصم مفترض، وربما الأهم من ذلك: كيف تخسر المؤسسة روايتها للأحداث قبل أن تبدأ في الدفاع عنها؟

في كثير من الأحيان تنظر بعض الجهات الحكومية إلى الصحفي من زاويتين لا ثالث لهما: إما مصدر إزعاج يجب احتواؤه، أو منصة يمكن استخدامها لنشر الرسائل الرسمية، وبين هذين التصورين تضيع حقيقة أساسية؛ وهي أن الصحفي ليس هذا ولا ذاك.

الصحفي في جوهر عمله يبحث عن قصة تستحق أن تُروى، يبحث عن معلومة جديدة، أو تفسير لحدث مؤثر، أو إجابة عن سؤال يشغل الجمهور. وقد لا تتطابق أولوياته دائماً مع أولويات المؤسسة الحكومية، لكن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة وجود عداء.

المشكلة تبدأ عندما يُساء فهم هذا الاختلاف، فعندما يُنظر إلى كل سؤال باعتباره اتهاماً، وإلى كل استفسار باعتباره محاولة للإحراج، تتحول العلاقة تدريجياً إلى حالة من الشك المتبادل. وتُغلق قنوات التواصل، وتتأخر المعلومات، ويصبح الإعلام بالنسبة للمسؤول مشكلة يجب التعامل معها، لا شريكاً يجب فهمه، وهنا تظهر مفارقة لافتة: المؤسسات التي تسعى إلى السيطرة على الرواية غالباً ما تفقدها.

في علم الاتصال السياسي والمؤسسي، لا تتحقق القدرة على التأثير من خلال التحكم في الصحفي، بل من خلال القدرة على تزويده بالمعلومات التي يحتاجها في الوقت المناسب. وقد عبّر الباحث أوسكار غاندي عن هذه الفكرة منذ مطلع الثمانينيات من خلال مفهوم "الدعم المعلوماتي"، الذي يقوم على حقيقة بسيطة: الصحفي يعمل تحت ضغط الوقت والموارد، ومن يوفّر له معلومات دقيقة ومنظمة وقابلة للاستخدام يصبح أكثر حضوراً وتأثيراً في التغطية الإعلامية.

بعبارة أخرى، النفوذ الإعلامي لا يُبنى بالصمت، بل بالمعلومة، ولا يُبنى بإغلاق الأبواب، بل بفتح قنوات تواصل مهنية ومستقرة، ولهذا تعتمد نسبة كبيرة من المواد الإخبارية المنشورة حول العالم على معلومات وبيانات توفرها مؤسسات عامة وخاصة تعرف كيف تدير علاقتها بالإعلام بصورة احترافية، فهي لا تنتظر حتى تتراكم الأسئلة، بل تبادر إلى تقديم المعلومات وتفسيرها ووضعها في سياقها الصحيح.

عندما تغيب المعلومة الرسمية أو تتأخر، فإن الفراغ لا يبقى فراغاً، هذه إحدى الحقائق الثابتة في عالم الاتصال: كل فراغ معلوماتي يبحث عمن يملؤه، وإذا لم تقدم المؤسسة روايتها، ستظهر روايات أخرى. وإذا لم تفسر الحدث، سيفسره آخرون. وإذا لم تبادر بالمعلومة، فستصبح في موقع الرد على معلومات لم تشارك أصلاً في إنتاجها.

من هنا لا تنشأ معظم الأزمات الإعلامية بسبب عداء الصحفيين، بل بسبب تآكل الثقة، فالصحفي الذي يواجه تأخراً دائماً في الردود، أو معلومات ناقصة، أو تصريحات متضاربة من جهات رسمية مختلفة، يبدأ تدريجياً في البحث عن مصادر أخرى. وعندما يحدث ذلك، لا تكون المؤسسة قد خسرت الصحفي فقط، بل تكون قد خسرت موقعها بوصفها المرجع الأول للمعلومة.

اللافت أن استعادة هذه الثقة أصعب كثيراً من الحفاظ عليها، فالعلاقة الجيدة مع الإعلام لا تُبنى أثناء الأزمات، بل قبلها بوقت طويل. تُبنى عبر تواصل منتظم، واستجابة مهنية، وشفافية معقولة، واتساق في الرسائل الصادرة عن المؤسسات المختلفة. كما تُبنى عبر فهم حقيقة بسيطة كثيراً ما تُهمل: ليس كل الصحفيين جمهوراً واحداً. فصحفي الاقتصاد يبحث عن تفاصيل تختلف عما يبحث عنه صحفي السياسة، والإعلام المحلي لديه أولويات تختلف عن الإعلام الدولي.

في النهاية، قد يكون السؤال الأكثر شيوعاً داخل المؤسسات الحكومية هو: كيف نسيطر على الإعلام؟ لكن السؤال الأكثر فائدة هو: كيف نصبح المصدر الذي يثق به الإعلام؟

الصحفي المهني لا يبحث عن الإخفاقات فقط، كما لا يبحث عن الإنجازات فقط. إنه يبحث عن القصص التي تستحق أن تُروى، وعن المعلومات التي تساعد الجمهور على فهم ما يجري. وعندما تصبح المؤسسة الحكومية مصدراً موثوقاً ومنظماً وسريع الاستجابة، فإنها لا تكسب تغطية أفضل فحسب، بل تكسب ما هو أكثر أهمية: الثقة.

في عصر تتنافس فيه الروايات على عقول الناس، لا يكفي أن تمتلك الحقائق. فالحقيقة التي لا تُروى جيداً، تترك المجال لروايات أخرى كي تملأ الفراغ.