رباعية كواد ومنطقة "الإندو-باسيفيك"

17 June 2026
mahmoudhanafia@gmail.com
د. عبدالعظيم محمود حنفي
تابع الكاتب عبر :

اجتمع وزراء خارجية أستراليا والهند واليابان و الولايات المتحدة في نيودلهي بالهند في 26 مايو 2026، لحضور الاجتماع الحادي عشر لوزراء خارجية المجموعة الرباعية، تحالف "كواد" الذي نشأ عام 2004 كمحاولة لتوحيد عمليات الإغاثة في كارثة تسونامي التي ضربت إندونيسيا، ثم أعيد إحياء الحوار فيه عام 2017 بعد أن ظلّ خاملاً لعقد من الزمن.

اللافت هو تحمس وزير الخارجية الأمريكي أنطونيو روبيو لهذا التحالف لدرجة أنه وصف الشراكة الرباعية بأنها حجر الزاوية في الاستراتيجية العالمية الأمريكية، وسبق له اتخاذ خطوة رمزية بلقاء وزراء خارجية دول الرباعية في واشنطن بعد ساعات من أدائه اليمين الدستورية العام الماضي، واجتمع الأربعة مجددا في واشنطن في يوليو 2025. لكن قمة الرباعية التي كان من المتوقع عقدها العام الماضي لم تُعقد، حيث لم يلتزم ترامب بالسفر إلى الهند. 

قدم اجتماع نيودلهي وما نتج عنه لمحةً مهمةً عن كيفية إعادة تصور منطقة الإندو-باسيفيك" استراتيجيًا، ومن بين الإشارات العديدة إلى الأمن البحري، والمرونة الاقتصادية، والتقنيات الموثوقة، برزت عبارةٌ واحدةٌ بشكلٍ لافت: باكس سيليكا"، وهي مبادرة دولية تقودها الولايات المتحدة، وترتكز على أن وجود سلسلة إمداد موثوقة أمر لا غنى عنه للأمن الاقتصادي المشترك، وأدراك أن الذكاء الاصطناعي يمثل قوة تحويلية لازدهار المشاركين في المبادرة على المدى الطويل، وأن الأنظمة الموثوقة ضرورية لحماية أمن وازدهار الأعضاء المشتركين. 

المجموعة الرباعية لم تعد مجرد آلية تشاور دبلوماسية أو إطارًا بحريًا فضفاضًا، بل تتطور بشكلٍ متزايد إلى بنية استراتيجية وتكنولوجية أوسع نطاقًا تتمحور حول أشباه الموصلات، وسلاسل التوريد، والمعادن الحيوية، والبنية التحتية الرقمية، والأمن السيبراني، والتصنيع المتقدم. الذكاء الاصطناعي. ومن ثم تنتقل المجموعة الرباعية بهدوء من حوار الأمن البحري إلى منصة تسعى لتشكيل النظام الاقتصادي والتكنولوجي المستقبلي لمنطقة "الإندو-باسيفيك.

هناك من يرى أن هذا التحول يفسر أيضا سبب استمرار أهمية التحالف الرباعي رغم الشكوك المحيطة بأهدافه واستمراريته. حيث لم يعد التنافس الاستراتيجي اليوم مقتصراً على الانتشار العسكري أو الردع البحري، بل يدور بشكل متزايد حول من يسيطر على النظم التكنولوجية، وسلاسل التوريد، والبنية التحتية الحيوية، وشبكات البيانات، والإنتاج الصناعي. ويعكس إعلان توسع أجندة التحالف الرباعي هذا الواقع.

تتفق الدول الأعضاء الأربع من حيث المبدأ على أن يكون "كواد" تكتلا ضد التوسع الصيني، لكنها تتباين من حيث التفاصيل، حيث تعتمد أستراليا واليابان اعتمادا كبيرا على التجارة الصينية. إذ تمثل الصين ما يقرب من ثلث التجارة الدولية لأستراليا وهي أكبر سوق تصدير لليابان. وفضلا عن ذلك، فإن كلا البلدين يتمتعان بالعضوية في الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تقودها الصين. فبالنسبة لهما، يبدو أن تمكين الصين من صياغة قواعد التجارة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ثمن زهيد يدفع مقابل الفوائد الاقتصادية للتجارة الإقليمية المتزايدة.

وهناك قناعة لدى تحالف كواد أنه لا يمكن لنظام منطقة المحيطين الهندي والهادئ المستقبلي أن يستمر بفضل أربع دول فقط. إذا ما أراد التحالف الرباعي أن يصبح إطاراً استراتيجياً فعالاً، فعليه توسيع نطاق التعاون العملي مع شركاء ذوي قدرات تكنولوجية عالية، يتمتعون بقوة صناعية، وقدرة على الابتكار، وأهمية استراتيجية. مثل كوريا الجنوبية لتقدمها التكنولوجي ورقائق الذاكرة وتايوان في تصنيع الرقائق المتقدمة. وكلتا الدولتين أصبحتا ركيزة أساسية للأمن التكنولوجي العالمي.

تتأثر اليابان والهند بشدة بارتفاع أسعار النفط بعد سيطرة إيران على مضيق هرمز ردًا على الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير، ولكن لم يُبدِ أي حليف للولايات المتحدة، باستثناء إسرائيل، دعمًا قويًا لقرار مهاجمة إيران، الأمر الذي أثار غضب ترامب الذي شكك في مصداقية شركاء الولايات المتحدة الذين لم يستشرهم مسبقًا.

يُعد رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيز، من بين قادة العالم القلائل الذين أبدوا تفهمًا للحرب، مشيرًا إلى مخاوفه بشأن البرنامج النووي الإيراني المتنازع عليه، لكنه لم يُقدم أي دعم للمجهود الحربي، وقد صرّح ترامب بأنه "غير راضٍ عن أستراليا"، في حين حافظت كل من اليابان والهند تاريخياً على علاقات ودية مع إيران، رغم امتثالهما على مضض للعقوبات الأمريكية الرامية إلى منع الدول الأخرى من شراء النفط الإيراني.