الحوار السوداني والوصاية الخارجية

11 October 2025
abdelazim556@gmail.com
عبدالعظيم الله جابو
تابع الكاتب عبر :

احتضنت مدينة بورتسودان الأسبوع الماضي ورشة الحوار السوداني التي نظمتها الكتلة الديمقراطية بالتعاون مع منظمة بروموديشن الفرنسية، وسط حضور قيادات وكوادر سياسية بارزة. الهدف المعلن للورشة هو البحث عن حلول للأزمة السودانية، ووضع رؤى تسهم في تحقيق الاستقرار والحفاظ على وحدة البلاد. ومن النظرة الأولى، تبدو الورشة مبادرة إيجابية، تعكس إرادة بعض القوى السياسية للانخراط في حوارات وطنية حقيقية بعيدا عن الوصاية الخارجية. 

تصريحات نائب رئيس الكتلة الناظر محمد الأمين ترك تؤكد على أهمية التوافق السياسي الداخلي، وعلى دور الوسطاء الدوليين في الدعم وليس القيادة، وهو ما يعكس وعيا سياسيا واضحا بأن الحلول المستدامة لا تأتي من الخارج، بل من إرادة السودانيين أنفسهم. وحاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، لم يخف أهمية العمل المشترك بين كل المكونات المدنية والعسكرية للوصول إلى سودان مستقر، معتبراً أن الورشة تمثل فرصة لتوحيد المبادرات السياسية حول رؤية واحدة تدعم الاستقرار، ومشيرا إلى دعم منظمة بروميديشن لمثل هذه الجهود. 

من جانبه، أكد المتحدث باسم الكتلة، د. محمد زكريا، أن الورشة ستناقش موضوعات جوهرية، من كيفية عقد الحوار إلى الأطراف المشاركة والتمويل ومكان الانعقاد ودور الوساطة. لكن، رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يمكن تجاهل الانتقادات التي صاحبت الورشة. 

بعض المراقبين يرون أن الورشة تقتصر على قوى سياسية محدودة، ولم تشارك فيها بقية القوى السياسية خارج الكتلة الديمقراطية وأنها قد تعيد إنتاج سياسات قديمة، ويشير النقاد إلى أن أي مشروع للحوار السوداني-السوداني لن يكتمل إلا بمشاركة كافة الأطراف السياسية المعنية، مع منح الشرعية اللازمة من مجلس السيادة، لضمان أن يكون الحوار شاملا وحقيقيا وليس مجرد منصة لإعادة تدوير المبادرات السابقة. 

التناقض هنا واضح: الورشة خطوة إيجابية لأنها تضع أساسا للحوار المحلي لكنها ناقصة من حيث الشمولية، وهو ما قد يحد من قدرتها على تحقيق الاستقرار الفعلي. فالنجاح الحقيقي لأي حوار سياسي في السودان لا يقتصر على عقد اجتماعات ومناقشات، بل يتطلب إشراك جميع القوى السياسية، وضمان أن تمثل هذه الورش إرادة جماعية حقيقية، لا خيارات محدودة أو نخبوية. كما أن السياق السوداني الراهن مليء بالتحديات: التدخلات الخارجية المتعددة، الصراعات المحلية، والانقسامات بين المكونات المدنية والعسكرية. 

كل هذه العوامل تجعل من مهمة الوصول إلى توافق وطني أصعب، وتزيد من أهمية الورش المحلية التي تركز على الحوار الداخلي. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار ورشة بورتسودان بمثابة محاولة صادقة لإشعال النقاش السياسي، لكنها تحتاج إلى تطوير وإضافة عناصر الشمولية والمصداقية لضمان أن تكون خطوة نحو الحل، لا مجرد نشاط رمزي. 

تظل ورشة بورتسودان اختبارا حقيقيا لمصداقية مبادرات الحوار السوداني-السوداني. هي تمنح فرصة لتقارب سياسي محتمل، لكنها لن تحقق أهدافها بالكامل ما لم تُدمج كل الأطراف، وتُراعى فيها الشفافية والمصداقية. السودان اليوم يحتاج أكثر من مجرد ورش واجتماعات؛ يحتاج إلى حوارات حقيقية، شاملة، ومرنة، تتجاوز الانقسامات القديمة وتوحد المبادرات حول هدف واحد: بناء دولة مستقرة وآمنة لأبنائها. 

الدرس الأهم هنا أن الإرادة المحلية هي مفتاح الحل، وأن المبادرات الخارجية يمكن أن تدعم ولكن لا يمكنها أن تحل محل الإجماع الوطني. إذا تمكنت القوى السياسية من توحيد الرؤى، وتجاوز الاختلافات التقليدية، فقد تتحول ورش اليوم إلى خطوة أولى نحو سودان جديد، يعبر فيه الحوار عن إرادة الشعب السوداني لا مجرد صياغة برامج جاهزة مسبقًا.