الديون الخارجية.. فاتورة يدفعها الجميع
في ظل التحديات المالية التي تواجهها الاقتصادات المعتمدة على الموارد الطبيعية، تلجأ الحكومات في كثير من الأحيان إلى الاقتراض بوصفه أداة لتمويل العجز في الموازنة العامة وتغطية النفقات المتزايدة. ورغم أن الاقتراض بحد ذاته ليس خياراً سلبياً إذا وُجه نحو الاستثمار والإنتاج، فإن خطورته تبدأ عندما يتحول إلى وسيلة لتمويل النفقات التشغيلية والاستهلاكية، حيث ينتهي أثر الإنفاق سريعاً بينما تبقى الالتزامات المالية ممتدة لسنوات طويلة.
في الحالة العراقية، يزداد هذا الموضوع حساسية في ظل استمرار الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية التي تشكّل نحو 95% من إجمالي دخل البلاد بالعملة الصعبة، وما يرافق ذلك من تقلبات في الأسعار والإنتاج. ومع تزايد النفقات العامة، برزت الحاجة إلى البحث عن مصادر تمويل إضافية، ما أعاد إلى الواجهة مسألة الديون الداخلية والخارجية، وحدود كل منهما، ومخاطره على الاقتصاد الوطني.
من المهم في هذا السياق الإشارة إلى الفارق بين الديون الداخلية والخارجية، إذ إن الديون الداخلية تُقترض وتسدد داخل الاقتصاد المحلي وبالعملة الوطنية، ما يجعل أثرها النقدي محصوراً ضمن حدود السوق الداخلية، رغم أنها قد تؤدي إلى ضغط على السيولة المصرفية وإضعاف قدرة المصارف على تمويل القطاع الخاص. أما الديون الخارجية فهي ترتبط بالعملة الأجنبية، وتستدعي توفير الدولار أو ما يعادله للسداد، ما يجعلها أكثر حساسية لتقلبات أسعار النفط وسعر الصرف والظروف المالية العالمية، وبالتالي أكثر ارتباطاً بالاحتياطيات الأجنبية وقدرة الدولة على توليد النقد الصعب.
وتكشف الأرقام الرسمية عن حجم هذا الملف؛ إذ بلغ الدين الخارجي العراقي الواجب السداد نحو 13 مليار دولار وفقاً لبيانات البنك المركزي، فيما ارتفع الدين الداخلي المتراكم إلى ما يقارب 89 تريليون دينار أي نحو 67 مليار دولار في نهاية عام 2025، ليصل إجمالي الدين العام إلى ما يزيد على 80 مليار دولار. وتبقى نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي عند حدود 43% وهي نسبة يصفها البنك المركزي بالمعتدلة وفق المعايير الدولية، غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذه النسبة بقدر ما يكمن في الهشاشة الهيكلية لاقتصاد يعتمد على مورد واحد قابل للتذبذب.
أما فيما يتعلق بتوجه العراق نحو الاقتراض الخارجي بعد أن كان يعتمد بدرجة أكبر على الاقتراض الداخلي في السنوات السابقة، فيمكن تفسير ذلك بتزايد العجز في الموازنة العامة نتيجة ارتفاع النفقات التشغيلية بشكل كبير، مقابل محدودية قدرة السوق المحلية على استيعاب المزيد من الاقتراض الحكومي. وقد بات تزايد الاستثمار في أدوات الدين الحكومي أكثر جاذبية للمصارف الحكومية من الإقراض الموجّه للقطاع الخاص، مما يحدّ من دور الائتمان في تحفيز النشاط الإنتاجي، ويدفع الحكومة إلى البحث عن مصادر تمويل خارجية توفر مبالغ أكبر وفترات سداد أطول نسبياً.
قد يبدو الاقتراض الخارجي في ظاهره حلاً مريحاً لتجاوز الأزمات المالية الآنية، إلا أن حقيقته الاقتصادية تختلف كثيراً عن هذا التصور. فكل دولار يتم اقتراضه اليوم يمثل التزاماً مالياً مستقبلياً يجب سداده مع الفوائد، ما يعني أن جزءاً من إيرادات الدولة المستقبلية سيكون موجهاً لخدمة الدين بدلاً من توظيفه في تحسين الخدمات العامة أو تنفيذ المشاريع التنموية. وتزيد هذه المخاوف جدية حين نعلم أن الإيرادات غير النفطية باتت تقترب في حجمها من تكاليف خدمة الدين ذاتها، وهو ما يجعل أي انخفاض في أسعار النفط سيناريو أشد وطأة مما قد يبدو في أوقات الوفرة.
إن خطورة الديون الخارجية لا تكمن في حجمها فقط، بل في طبيعة استخدامها. فحين تُوجه القروض إلى مشاريع البنية التحتية والطاقة والصناعة والزراعة، فإنها قد تسهم في خلق فرص عمل وزيادة الإنتاج وتحقيق موارد مالية تساعد على السداد. أما عندما تُستخدم لتمويل الرواتب والمخصصات والنفقات التشغيلية المختلفة — وهو ما تستوعبه نحو 70% من الموازنة العراقية وفق تقديرات مجلس النواب — فإن الاقتصاد لا يحصل على أصول أو استثمارات جديدة قادرة على توليد عوائد مستقبلية، ليبقى الدين قائماً دون وجود مصادر إضافية لتمويل سداده.
ومن أبرز المخاطر المرتبطة بالتوسع في الديون الخارجية أنها تزيد من الأعباء المالية على الموازنة العامة. فمع مرور الوقت تتراكم أقساط السداد والفوائد، ما يؤدي إلى استقطاع جزء متزايد من الإنفاق العام لتغطية هذه الالتزامات. ومع استمرار هذا المسار قد تجد الحكومات نفسها أمام خيارات صعبة تتمثل في تقليص الإنفاق الاستثماري أو تأجيل مشاريع البنية التحتية أو حتى خفض بعض الخدمات العامة من أجل الوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين.
ولا تتوقف الآثار عند الجانب المالي فحسب، بل تمتد إلى حياة المواطن اليومية بصورة ملموسة. فحين تُخصص مليارات الدولارات لخدمة الدين، فإن هذه المبالغ تغيب عن مشاريع الصرف الصحي في المناطق التي تعاني من انعدامه، وعن توسيع المستشفيات والمدارس، وعن صيانة البنية التحتية المتهالكة. والمواطن الذي ينتظر الكهرباء صيفاً، أو يواجه صعوبات في الحصول على علاج لائق، لا يشعر بالدين الخارجي بوصفه رقماً في الموازنة، بل بوصفه نقصاً في الخدمة وتراجعاً في مستوى المعيشة. وتتضاعف هذه المعاناة على الأجيال القادمة التي ستجد نفسها ملزمة بسداد ديون لم تقترضها في مقابل أصول إنتاجية لم تُبنَ.
أما البُعد المتعلق بالسيادة الاقتصادية فهو لا يقل أهمية. فالاقتراض الخارجي لا يعني فقط دفع فوائد وأقساط، بل قد يعني في حالات عديدة قبول شروط مرتبطة بسياسات مالية بعينها، أو التزامات بإصلاحات هيكلية تحددها جهات الإقراض لا القرار الوطني. وكلما تعمّق الاعتماد على الدائنين الخارجيين، ضاق هامش المرونة في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وبات القرار الاقتصادي مقيّداً باشتراطات قد لا تعكس الأولويات الوطنية ولا تراعي الظروف الاجتماعية الخاصة. وهذا ما يجعل الدين الخارجي في حالات معينة ليس مجرد عبء مالي، بل أداة تؤثر في استقلالية صنع القرار على المدى البعيد.
وتمتد الآثار كذلك إلى الاستقرار النقدي. فالديون الخارجية تُسدد بالعملات الأجنبية، ما يعني الحاجة المستمرة إلى توفير الدولار من خلال الإيرادات النفطية أو الاحتياطيات الأجنبية. وفي حال تعرضت أسعار النفط لانخفاضات حادة، فإن الضغوط ستزداد على الاحتياطيات وعلى استقرار سعر الصرف، وهو ما ينعكس مباشرة على مستويات الأسعار والقوة الشرائية للمواطنين.
وفي المحصلة، فإن الديون الخارجية ليست خياراً سلبياً مطلقاً ولا حلاً مثالياً، بل هي أداة مالية تتوقف نتائجها على كيفية استخدامها. غير أن اقتراض الأموال لتمويل النفقات التشغيلية في اقتصاد ريعي يعتمد على النفط يمثل خياراً محفوفاً بالمخاطر، لأن فاتورته لا تتوقف عند حدود الموازنة العامة، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع والأجيال القادمة. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس كم سنقترض، بل ماذا سنفعل بما نقترضه؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت الديون جسراً نحو التنمية أم عبئاً سيدفع ثمنه الجميع.