الذكاء الاصطناعي يستولي على الوظائف

18 June 2026
awwad.jafari@gmail.com
عواد الجعفري
تابع الكاتب عبر :

لم يعد زحف الذكاء الاصطناعي علينا وعلى وظائفنا بعيداً بصورة تقاس بالعقود وبالسنوات، فهو يتقدم بسرعة كبيرة وصار جزءاً من الحاضر، خاصة في مجال القيام بمهام بشرية، في أواخر مايو (أيار) الماضي قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال قمة المنتدى الاقتصادي الأوراسي في أستانا "إن الذكاء الاصطناعي بدأ يأخذ وظائف البشر في بعض المجالات".

واقتبس مما قاله: "من الواقعي للغاية أن نشهد حالة يخسر فيها ملايين الناس وظائفهم أو يجبرون على تغيير مجال عملهم، قد تندثر مهن بأكملها نتيجة إحلال الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؛ ففي العديد من المجالات المتعلقة بأتمتة الإجراءات، وإعداد الوثائق وتحليلها، وتطوير الشيفرات البرمجية، بدأ الذكاء الاصطناعي بالفعل في الحلول مكان الموظفين المبتدئين، ومن المتوقع أن يمتد ذلك في المستقبل القريب ليشمل الكوادر متوسطة الخبرة. هذه التحولات حتمية ولا يمكن التراجع عنها".

إن الاستشهاد ببوتين، وهو رئيس دولة كبرى، يعني أن الأمر بدأ يأخذ شكل الظاهرة الواسعة الانتشار، ولم يعد مجرد تحذيرات من تغيرات في المستقبل البعيد، ولا بد أن نشير إلى أن ما يستولي عادة على اهتمام الرؤساء هو القضايا الآنية، باعتبار أن لها الأولوية على قضايا المستقبل البعيد، وفي الشرق الأوسط، قال رجل أعمال شهير إن الذكاء الاصطناعي سيقلص عدد الموظفين في إحدى شركاته بنسبة 50 في المئة. 

إذن وبناء على ما تقدم، سنعيد طرح السؤال الأهم في تاريخ البشرية: ما العمل؟

لا أستطيع الزعم بأني قادر على تقديم إجابة شاملة وكاملة أمام هذا السؤال الضخم، لكن سأحاول قدر استطاعتي الإجابة عنه.

في البداية، أود أن أسرد قصة لها ارتباط بموضوع الذكاء الاصطناعي، فقبل سنوات طويلة عملت في صحيفة ورقية، وقررت الصحيفة أن تنشئ موقعاً إلكترونياً، لكن البعض ممن عمل في الصحيفة الورقية كان يخشى هذا التطور، وطرح بأن النسخة الرقمية ستؤثر على المبيعات الورقية، وانطلق الموقع وكان نسخة إلكترونية صرفة للورق، من دون مراعاة العواجل والوسائط المتعددة وتحديث الخبر لحظة بلحظة. 

التطورات المتسارعة بلا هوادة في الإنترنت أتت على النسختين، خاصة مع ظهور شبكات التواصل وتطبيقات التواصل الفوري، المغزى باختصار: لا يجب أن تنظر إلى التغيرات والتطورات الرقمية على أنها خطر، ولا يجب أن تدفن رأسك في الرمال أمامها، والحل الأمثل هو أن تتكيف معها. هذه هي الخطوة الأولى.

إن الخطوة الثانية هي أن يبدأ المرء في تعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي في مجال عمله، ولحسن الحظ، هناك كم هائل من المحتوى التدريسي الخاص بالذكاء الاصطناعي على الإنترنت، ناهيك عن أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها التي يمكن أن تساعدك في هذا المجال وهي أكثر من أن تحصى، وكثير منها مجاني.

لسنا في الستينيات والسبعينيات، حين كان الطالب يبذل جهداً جباراً في المكتبات بحثاً عن المعلومة، عندما كان الإنترنت غير موجود. بكبسة زر يمكنك الآن أن تحصل على كل شيء، لكن المشكلة هي في غياب الرغبة لدى البعض. إن تعلم هذه الأساسيات ضروري لمواجهة أسئلة في مقابلات العمل أو التطوير داخل المؤسسات، إذ صار "الترند" الآن في العمل: كيف ستوظف الذكاء الاصطناعي في عملك؟ أو ما هي مهارات الذكاء الاصطناعي التي تجيدها؟

الخطوة الثالثة ملقاة على عاتق المؤسسات التعليمية وخاصة الجامعات، فعليها، إن لم تكن قد فعلت ذلك، أن تدرج الذكاء الاصطناعي في كل التخصصات بلا استثناء، وأن تركز على مهارات التعامل معه وليس الاكتفاء فقط بالدروس النظرية، لإعداد الخريجين لسوق العمل. الفجوة بين الاثنين كانت واسعة في زمن ما قبل الذكاء الاصطناعي، والآن حدّث ولا حرج، لذلك من الواجب اتخاذ خطوات سريعة في هذا المجال.

وفي هذا السياق، يمكن البدء في تدريس مساقات "هندسة الأوامر" أو "هندسة التلقين"، الرامية للاستفادة من الطاقات الكامنة في الذكاء الاصطناعي، وتعزيز مهارة الحكم على المحتوى الذي تنتجه الآلة، لأن التجربة أثبتت أن الأخطاء في الذكاء الاصطناعي -وهي ليست قليلة- لا تظهر بشكل جلي.

الخطوة الرابعة والأخيرة تقع على عاتق الحكومات، إذ عليها تنبيه رجال الأعمال من خطورة التسريح السريع للموظفين وإحلال الذكاء الاصطناعي مكانهم، لأن ذلك ببساطة – كما ذكرنا سابقا- سيخلق مشكلة اقتصادية اسمها: منتجون بلا مستهلكين؛ إذا جرّد الذكاء الاصطناعي البشر من وظائفهم ودخلهم، فلن يبقى من يشتري السلع والخدمات من الشركات، وقد يلزم الأمر خطوات تشريعية في هذا الاتجاه؛ فالقوانين والتشريعات ربما تكون الطريقة الوحيدة لضبط إيقاع التغول التكنولوجي لحماية المجتمعات.

يجب أن ننوه أن الرزق كله بيد الله، وكما قال تعالى في كتابه الكريم " وفي السماء رزقكم وما توعدون" (الذاريات 22 )، لذلك لا داعي للقلق، لكن نحاول هنا أن نساعد في مجال الأخذ بالأسباب وأن نكون سبباً في ذلك.