بريطانيا بين تراجع الثقة وغضب الشارع
تشهد المملكة المتحدة مرحلة سياسية معقدة تعكس حجم التحولات التي أصابت الحياة الحزبية البريطانية خلال السنوات الأخيرة، فبعد مرحلة طويلة من الاضطرابات التي رافقت حكومات المحافظين المتعاقبة، بدا وصول كير ستارمر وحزب العمال إلى السلطة وكأنه بداية لعودة الاستقرار السياسي، إلا أن التطورات الأخيرة، وخصوصا نتائج الانتخابات المحلية، أظهرت أن أزمة الثقة بين الناخب والطبقة السياسية لم تنتهِ، بل ربما دخلت مرحلة أكثر تعقيدا.
الحكومة الحالية وصلت إلى السلطة مستفيدة من حالة إرهاق شعبي خلفتها سنوات من حكم "المحافظين"، شهدت أزمات اقتصادية متتالية، وارتفاعا غير مسبوق في تكاليف المعيشة، إضافة إلى الفوضى السياسية التي رافقت حكومات بوريس جونسون وليز تراس وريشي سوناك، لكن الأشهر الأخيرة أوضحت أن إسقاط "المحافظين" لم يكن كافيا لإقناع البريطانيين بأن حزب العمال يمتلك مشروعا سياسيا قادرا على إحداث تحول حقيقي في حياتهم.
جاءت نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة لتكشف حجم التراجع في المزاج الشعبي، إذ حملت رسائل سياسية واضحة تتجاوز إطارها المحلي التقليدي، ففي الوقت الذي كان فيه حزب العمال يأمل في تثبيت صورته كقوة قادرة على استعادة الثقة، أظهرت النتائج استمرار حالة التململ الشعبي وصعود التيارات الاحتجاجية والشعبوية، في مؤشر على أن جزءا من الناخبين لم يعد يرى في الأحزاب التقليدية حلولًا حقيقية للأزمات المتراكمة.
وتحمل النتائج أهمية خاصة في المشهد البريطاني، لأن الانتخابات المحلية غالبًا ما تُقرأ باعتبارها مؤشرا مبكرا لاتجاهات الرأي العام قبل الانتخابات البرلمانية، ولهذا بدأ الحديث مبكرًا عن أن ما جرى قد يمثل إنذارا سياسيا لحكومة ستارمر قبل انتخابات 2029، خصوصًا إذا استمرت الأزمات الاقتصادية والخدمية دون معالجة ملموسة يشعر بها المواطن البريطاني في حياته اليومية.
وفي داخل حزب العمال نفسه، بدأت ترتفع أصوات تنتقد أداء كير ستارمر وتعتبر أن الحكومة تتحرك بحذر مفرط وتفتقر إلى رؤية سياسية أكثر جرأة، كما ظهرت مطالبات داخل بعض الأوساط الحزبية بإعادة تقييم أسلوب القيادة الحالي، وسط مخاوف من أن يؤدي تراجع الشعبية إلى استنزاف رصيد الحزب مبكرا، ورغم أن هذه الانتقادات لا تزال محدودة، فإنها تعكس قلقًا حقيقيًا داخل الحزب من أن يتحول التراجع الحالي إلى أزمة سياسية أوسع خلال السنوات المقبلة.
ويواجه ستارمر أيضًا انتقادات من الجناح اليساري داخل الحزب، الذي يرى أن الحكومة لم تقدم حتى الآن سياسات قادرة على معالجة جذور الأزمة الاجتماعية، سواء في ملف الخدمات العامة أو العدالة الاقتصادية أو أزمة الإسكان، وفي المقابل يحاول الحزب الحفاظ على صورته كقوة سياسية معتدلة قادرة على طمأنة الأسواق والناخب الوسطي، وهو توازن يبدو أكثر صعوبة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
أما حزب المحافظين، فرغم خسارته السلطة، فإنه يسعى لاستغلال التراجع النسبي في شعبية الحكومة الحالية، مستفيدا من الملفات المرتبطة بالهجرة والضرائب والأمن الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، تتزايد مؤشرات صعود الخطاب الشعبوي في الحياة السياسية، مستفيدا من حالة الغضب الشعبي وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية.
ويبدو أن الناخب البريطاني أصبح أكثر تقلبا وأقل استعدادا لمنح أي حكومة فترة طويلة من الثقة دون نتائج ملموسة، وهو ما يجعل السنوات المقبلة شديدة الحساسية بالنسبة لحكومة العمال، فنجاحها في تحسين الوضع الاقتصادي واستعادة كفاءة الخدمات العامة قد يمنحها فرصة لترسيخ موقعها السياسي، أما الفشل فقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانقسام السياسي وصعود القوى الاحتجاجية.
في ظل هذه التحولات، تبدو بريطانيا اليوم أمام مشهد سياسي مفتوح على احتمالات متعددة، حيث لم يعد الصراع التقليدي بين العمال والمحافظين كافيًا لتفسير المزاج الشعبي المتغير. فالأزمة الحالية لم تعد مجرد أزمة حكومة أو حزب، بل أزمة ثقة أعمق بين الشارع البريطاني والمنظومة السياسية بأكملها، وهي أزمة قد تحدد شكل السياسة البريطانية لعقد كامل قادم.