حين يصبح البكاء تهمة ضد الرجولة

26 May 2026
أكثر الرجال شجاع أولئك الذين بكوا ثم نهضوا من جديد
أكثر الرجال شجاع أولئك الذين بكوا ثم نهضوا من جديد
fatema.y.alyusuf@gmail.com
فاطمة اليوسف
تابع الكاتب عبر :
منذ قرون طويلة، يُربّى الرجال على فكرة قاسية مفادها أن الدموع ليست لهم، وأن البكاء خيانة لصورة الصلابة التي يجب أن يظهروا بها أمام العالم. وكأن الرجولة تحولت مع الزمن إلى جدار من الحجر لا يحق له أن يتصدع، مهما أثقلته الحياة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه لماذا نخاف من دموع الرجل أكثر مما نخاف من ألمه نفسه؟ ولماذا يبدو الرجل الباكي في نظر البعض كأنه فقد جزءًا من رجولته، بينما قد تكون الحقيقة عكس ذلك؟

لا يبكي الإنسان لأنه ضعيف، بل لأنه بلغ حدًا لا تستطيع اللغة احتماله. فالبكاء ليس دائمًا انهيارًا، بل قد يكون أحيانًا آخر أشكال المقاومة. هناك مشاعر لا تستطيع الكلمات حملها، فتخرج على هيئة دموع. لذلك، لا تكون الدموع بالضرورة نقيض القوة، بل قد تكون ذروتها الإنسانية.

صنعت المجتمعات الشرقية، خصوصًا، صورة للرجل تقوم على الكتمان والصمت والتحمل الدائم. يجب أن يكون الرجل صلبًا وهادئًا وقادرًا على ابتلاع الخسارات من دون أن يرتجف صوته. ومنذ الطفولة يُقال للصبي "لا تبكِ... كن رجلًا". هنا تبدأ المأساة النفسية الأولى، إذ يتعلم الطفل أن التعبير عن ألمه عيب، وأن إخفاء مشاعره فضيلة. ويكبر وهو يحمل داخله مقبرة من الأحاسيس المؤجلة، حتى يصبح عاجزًا عن البوح، حتى لنفسه.

لكن الفلسفة تعيد مساءلة ما اعتدناه. فهل القوة فعلًا هي غياب الدموع؟ أم أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الاعتراف بالألم؟ كان الرواقيون، مثلًا، يتحدثون عن التحكم بالمشاعر لا إنكارها. أما الفيلسوف نيتشه، فرغم فلسفته الصلبة عن القوة، كان يرى أن الإنسان العميق لا يخجل من هشاشته، لأن الهشاشة جزء من الوعي الإنساني. فالإنسان الذي لا يتألم ولا يبكي قد لا يكون قويًا، بل ربما صار متبلدًا إلى حد فقدان إنسانيته.

المشكلة ليست في دموع الرجال، بل في المجتمع الذي يخاف من رؤية الرجل إنسانًا. فالبعض يريد من الرجل أن يكون آلة للحماية والإنفاق والتحمل فقط، من دون أن يمتلك حق الانكسار. لذلك يموت كثير من الرجال بصمت نفسي، لأنهم لم يتعلموا كيف يعبرون عن أحزانهم. بعضهم يتحول حزنه إلى غضب، وبعضهم إلى قسوة، وبعضهم إلى عزلة واكتئاب. فالمشاعر التي لا تخرج كدموع قد تخرج على هيئة خراب داخلي.

ومن المفارقات أن المجتمع نفسه الذي يطالب الرجل بالكتمان، يعود لاحقًا ليتساءل لماذا صار الرجال قساة؟ ولماذا صاروا بعيدين عاطفيًا؟ بينما الحقيقة أن الإنسان حين يُمنع طويلًا من البكاء، يتعلم تدريجيًا كيف يدفن قلبه حيًا.

لا ينقص البكاء من الرجولة، بل قد يعيد تعريفها بصورة أكثر نضجًا. فالرجولة ليست قدرة الرجل على إخفاء وجعه، بل قدرته على مواجهته من دون زيف. الرجل الحقيقي ليس الذي لا يبكي أبدًا، بل الذي لا يخجل من إنسانيته. فالقوة ليست أن تتحول إلى صخرة، بل أن تبقى إنسانًا رغم كل ما كسرك.

وربما كان أكثر الرجال شجاعة ليسوا أولئك الذين لم تسقط دموعهم قط، بل أولئك الذين بكوا ثم نهضوا من جديد.