الانتخابات الإسرائيلية واستطلاعات الرأي
في إسرائيل، قد تتبدل الخريطة الحزبية والسياسية بالكامل خلال أسابيع قليلة، وربما في غضون أيام. ولعل المختصين في الشأن يدركون أن هذه ليست حالة استثنائية بقدر ما تعد سمة غالبة على ديناميات المشهد السياسي الإسرائيلي.
قراءة استطلاعات الرأي الإسرائيلية تتطلب فهمًا دقيقًا لطبيعتها الوظيفية، فبرغم من أنها تعكس اتجاهات حقيقية داخل المجتمع الإسرائيلي، فإنها تظل أكثر ارتباطًا بقياس "مزاج اللحظة" أكثر مما تقيس مسارًا سياسيًا على المدى البعيد. ومن هنا، يصبح التمييز بين "الحالة اللحظية" و"الاتجاه السياسي طويل المدى" عنصرًا أساسيًا لفهم مآلات المشهد الانتخابي واستشراف مساراته قبيل انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر 2026.
لفهم أسباب التذبذب الحاد في الاستطلاعات، لا بد أولًا من التوقف عند طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي ذاته. فإسرائيل تقوم على نظام تمثيل نسبي كامل، تُحتسب فيه الأصوات على مستوى الدولة بأكملها، مع عتبة حسم منخفضة نسبيًا تبلغ 3.25% فقط. وفي ظل هذا النظام، قد يؤدي انتقال عشرات آلاف الأصوات من حزب إلى آخر، إلى إخراج حزب من الكنيست أو إدخاله إليه. ومع تمركز عدد كبير من الأحزاب الصغيرة حول عتبة الحسم، تصبح الاستطلاعات شديدة الحساسية تجاه أي متغيرات سياسية أو أمنية طارئة.
ويُضاف إلى ذلك غياب الدوائر الانتخابية الجغرافية، فإسرائيل تعد دائرة انتخابية واحدة، مما يجعل أي تحول في المزاج العام ينعكس مباشرة على مجمل الخريطة الحزبية كلها دون حواجز محلية تخفف وطأته.
ولعل هذا التمايز قد تجلى بوضوح عقب الضربات الإسرائيلية والأمريكية التي استهدفت إيران، إذ حظيت تلك الهجمات بتأييد واسع داخل المجتمع الإسرائيلي، بما يشمل شرائح سياسية متباينة التوجهات والانتماءات، وهو ما انعكس مباشرة في ارتفاع شعبية بنيامين نتنياهو واستعادة معسكره لجزء من زخمه السياسي.
تكرر الأمر ذاته سابقًا في ملف الرهائن في غزة، حيث كانت كل مرحلة من مراحل إطلاق سراح الرهائن تُحدث موجة عاطفية مركبة داخل الشارع الإسرائيلي تختلط فيها مشاعر الارتياح بالغضب والتساؤلات المرتبطة بأثمان صفقات التبادل، وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على اتجاهات استطلاعات الرأي خلال تلك الفترة. ومن هنا، يمكن الزعم بأن هذه الاستطلاعات لا تقيس بالضرورة مواقف أيديولوجية راسخة، بقدر ما ترصد المزاج العام في لحظة سياسية وأمنية محددة.
ولا يمكن الحديث عن تذبذب استطلاعات الرأي الإسرائيلية دون التطرق إلى مسألة الانحياز الهيكلي لدى بعض الشركات المعنية بقياس اتجاهات الرأي العام. ولذلك يصبح من الضروري التعامل مع نتائج هذه الاستطلاعات بوصفها معطى سياسيًا وإعلاميًا أكثر من كونها أداة قياس دقيقة وثابتة للرأي العام.
ثمة ملفات داخلية تمتلك قدرة على إرباك نتائج استطلاعات الرأي الإسرائيلية، نظرًا لأنها لا تتحرك وفق الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار. ولعل أبرز هذه الملفات قضية "تجنيد اليهود المتشددين دينيًا (الحريديم)" والتي تُعد واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع الإسرائيلي. فبحسب استطلاعات أُجريت مطلع عام 2025، تؤيد أغلبية إسرائيلية واسعة تتراوح بين 80 و85% فرض الخدمة العسكرية على الحريديم، وهي نسبة تتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية. لذلك، كلما تصاعدت الضغوط الحريدية داخل الائتلاف الحاكم، ارتفعت مؤشرات التراجع في شعبية نتنياهو، قبل أن تنخفض حدة التأثير مع تراجع الأزمة إعلاميًا وسياسيًا.
إلى جانب ذلك، تُشكل محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتهم الفساد عاملًا دائم التأثير على المزاج الانتخابي. فعادة ما تؤدي جلسات الاستماع الحادة أو التسريبات القضائية إلى ارتفاع مؤشرات "عدم الثقة" به داخل بعض الشرائح المترددة. لكن في المقابل، تميل قاعدة الليكود إلى التعامل مع المحاكمة باعتبارها استهدافًا سياسيًا لشخص نتنياهو، ما يدفعها في كثير من الأحيان إلى مزيد من التماسك خلفه بدل الابتعاد عنه.
في الواقع، تكشف قراءة استطلاعات الرأي الإسرائيلية خلال الفترة الممتدة بين عامَي 2023 و2026 عن ثلاثة أنماط متكررة تحكم السلوك الانتخابي والسياسي داخل إسرائيل. يتمثل النمط الأول فيما يمكن وصفه بـ"الصعود ثم التآكل"، إذ تُظهر التجربة أن شعبية نتنياهو تميل إلى الارتفاع بصورة شبه فورية عقب كل حدث أمني كبير أو مواجهة عسكرية واسعة، سواء بعد هجمات 7 أكتوبر، أو خلال التصعيد مع إيران، أو حتى في مراحل الإفراج عن الرهائن. ومع ذلك، فإن هذا الارتفاع غالبًا ما يكون مؤقتًا، إذ يبدأ بالتراجع تدريجيًا مع عودة الملفات المزمنة إلى واجهة النقاش، وفي مقدمتها مسؤولية الإخفاق الأمني، وأزمة التجنيد، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وغيرها.
أما النمط الثاني، فيتمثل فيما يمكن تسميته بـ"التحالفات المُربِكة"، وهو ما يتمظهر في الاندماجات الحزبية والتي تُحدث ارتباكًا مؤقتًا في نتائج الاستطلاعات، نظرًا إلى أن الناخب الإسرائيلي يحتاج إلى وقت لإعادة تعريف موقعه السياسي داخل الخريطة الجديدة. ولذلك، فإن صورة التحالف بعد أسابيع أو أشهر قد تختلف عادة عن صورته في الأيام الأولى لإعلانه.
فيما يتمثل النمط الثالث في "تقلبات عتبة الحسم"؛ حيث كلما ازداد عدد الأحزاب المتأرجحة حول نسبة 3.25%، تحولت الاستطلاعات نفسها إلى عامل مؤثر في سلوك الناخبين، بما يجعل بعضهم يتجه إلى التصويت لما يُسمى "الحزب القابل للنجاة" بدل الحزب الأقرب إلى قناعاتهم، خشية ضياع الأصوات.
تظل استطلاعات الرأي الإسرائيلية بحاجة لقراءة متأنية تتعامل معها بوصفها مؤشرًا على المزاج السياسي اللحظي، أكثر من كونها أداة للتنبؤ بمآلات الانتخابات. ولعل ما كشفته استطلاعات شهر مايو (أيار) الماضي بوضوح هو وجود حالة من التوازن المأزوم بين أقطاب المشهد السياسي؛ إذ تبدو كتلة نتنياهو قادرة على تعطيل خصومها، لكنها في الوقت ذاته عاجزة عن حسم المشهد بصورة تضمن لها الاستقرار على المدى البعيد.
في المقابل، تبدو المعارضة قريبة من تحقيق أغلبية، لكنها لا تزال غير قادرة على ضمانها من دون الاعتماد على الأحزاب العربية، وهو خيار لا يزال يحظى برفض صريح. ولذلك، فإن هذا التوازن الهش هو ما قد يجعل أي حدث، مهما بدا محدودًا أو عابرًا، قادرًا على إعادة تشكيل المشهد السياسي الإسرائيلي خلال فترة زمنية قصيرة.