باب الأحلام المفتوح

10 August 2026
daahnoonabd63@gmail.com
عبد الرزّاق دحنون
تابع الكاتب عبر :

منذ أيام شاهدت لوحة حديثة، ولكنها مدهشة في بساطتها كأنها ترسم أحلامنا، باب أحمر بمقبض ذهبي يطفو في وسط سماء زرقاء محاطة بسحب بيضاء من عمل المصمم الجرافيكي أدرياندرا كارونياوان الذي يعيش في جاكرتا العاصمة الأندونيسية، يمكننا أن نسميه باب الأحلام. 

ندخل في الباب فيذهب بنا نحو عالم مذهل ما زال البشر في حيرة من تفاصيله الغامضة وأمره الغريب. كل ليلة، دون اعتراض أو ذعر، نتوقف عن الوجود كذوات فاعلة. في لحظة، نكون هناك، نشعر ونتفاعل. وفي اللحظة التالية، نختفي. هذه الظاهرة مألوفة لدرجة أن قليلًا منا يتوقف ليتساءل عنها، ولكن إذا أردت فهم الوعي، فلا يوجد مكان أفضل للبحث فيه من النوم والأحلام.

في عام 1974، نشر الفيلسوف الأمريكي توماس ناجل المولود في بلغراد اليوغسلافية عام 1937 كتاباً مشهوراً تحت عنوان : " كيف يكون شعورك أن تكون خفاشاً" فأصبح هذا السؤال علامة فارقة في فلسفة العقل، لأنه عرّف الوعي من خلال أهم خصائصه: كيف يكون الشعور. فإذا كانت التجربة حاضرة، فإن الوعي حاضر أيضاً. 

وتكمن المشكلة في صعوبة فهم هذه الصيغة، بل وصعوبة تطبيقها عمليًا. فمن السهل القول إن التجربة تكمن في صميم الوعي، لكن دراستها فعليًا أمرٌ مختلف تمامًا. فالخفافيش، على سبيل المثال، لا تجيب على استبياناتنا. يقاوم الوعي التحليل الخارجي لأن طبيعته داخلية. قد لا نعرف كيف يكون شعور الخفاش، لكننا في كل ليلة نواجه السؤال الأكثر جوهرية: كيف يكون شعور أن تكون أي شيء على الإطلاق؟

ماذا يتبقى عندما تُجرّد تجربتنا الواعية من الذاكرة والإرادة والتأمل الذاتي؟ كيف يكون حال الكائن الحي بدونها؟ قد لا نعرف الإجابة بدقة، لكن بإمكاننا تجاوز منظورنا السائد لفهم ماهية أن تكون شخصًا ما - أو شيئًا ما - بأبسط معانيه. 

في النوم، نكون أقرب ما يكون إلى جوهر الخفاش الذي وصفه ناجل بأنه بعيد المنال. لعلّ الأحلام العادية هي أوضح تعبير عن ماهية الوجود. فبدلاً من تعريف الذاتية من الخارج، يسمح لنا نوم حركة العين السريعة برصد فقدانها وعودتها من الداخل ، كاشفاً عن بنيتها من خلال تفكيكها. يصبح الحلم بمثابة بروفة حية لتحدي ناجل: الوعي ليس شيئاً نؤديه ولا سلوكاً نصدره، بل هو حالة من النشاط الداخلي المستدام، يتحدد بجودة التجربة المحسوسة.

أثناء اليقظة، تتشكل التجربة الواعية من خلال الإحساس والفعل. تتدفق تيارات من المدخلات الحسية، وتتدفق المخرجات الحركية، وهذا التبادل المستمر مع البيئة يرسخ تجربتنا الذاتية. ولكن عندما ننام، يتلاشى هذا التكوين ويعيد ترتيب نفسه. في العادة تنقسم مراحل النوم إلى قسمين رئيسيين: النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة والنوم المصحوب بحركة العين السريعة. يستطيع علماء الأعصاب تتبع هاتين الحالتين وبصماتهما العصبية المميزة باستخدام تخطيط كهربية الدماغ، الذي يسجل النشاط الكهربائي الجماعي للخلايا العصبية القشرية. 

في المراحل العميقة من النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة، تدخل هذه الخلايا العصبية في تذبذب بطيء وإيقاعي للنشاط، تتخلله فترات من الصمت. إن التواجد داخل إحدى هذه الموجات البطيئة من وجهة نظر الشخص، أشبه بالتواجد في اللامكان. وقد أظهرت الدراسات التي استخدمت تخطيط كهربية الدماغ عالي الكثافة أنه عندما تهيمن موجات بطيئة على المناطق القشرية الخلفية، يغيب الوعي عادةً.

ظاهريًا، تبدو مرحلة نوم حركة العين السريعة كراحة. تعمل مراكز التحكم الحركي في جذع الدماغ على تثبيط العضلات بشكل فعال، مما يؤدي إلى شللها مؤقتًا، ويتلاشى التفاعل مع العالم الخارجي. لكن في داخل الدماغ، تشتعل الإشارات العصبية. يعود النشاط السريع وغير المتزامن للظهور في القشرة الخلفية، مع مستويات نشاط في الدوائر الحسية والعاطفية تضاهي - بل وتتجاوز في بعض المناطق - تلك التي تُلاحظ خلال النهار.

أعيننا مغلقة، ومع ذلك تُظهر القشرة البصرية أنماط تنشيط مماثلة لتلك التي تُظهرها عند معالجة مشهد حقيقي. ما يظهر هو الأحلام، حلقات وعي داخلية المنشأ، تتشكل في فراغ إدراكي. أما العنصر المفقود الآخر فهو ما وراء المعرفة - إدراك الإدراك - والشعور بالقدرة على الفعل. في مرحلة حركة العين السريعة، نكون واعين دون أدنى شك. منغمسين تمامًا، لكن دون القدرة على مراقبة أنفسنا من خارج اللحظة. معظم الحالمين لا يدركون أنهم يحلمون؛ إنهم ببساطة موجودون ضمن التجربة.

يُقدّم الحلم الواعي مثالًا مُغايرًا. ففي حالات نادرة، يكتسب النائمون إدراكًا لعدم واقعية أحلامهم من داخل الحلم نفسه. في مختبرات النوم، يُدرّب الباحثون الحالمين على الإشارة إلى وعيهم من خلال حركات العين المُتعمّدة، والتي يُمكن تحديد توقيتها باستخدام تخطيط كهربية العين. تُظهر بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي وتخطيط كهربية الدماغ أن الانتقال إلى حالة الوعي يتزامن مع إعادة تنشيط جزئية لقشرة الفص الجبهي الظهرية الجانبية، وقشرة الحزام الأمامية، والوتد، وهي مناطق تدعم ما وراء المعرفة، والتي عادةً ما تكون غير نشطة أثناء نوم حركة العين السريعة.