"الميكروبيوم الأنثوي": ثلاثة أنظمة بيئية، صحة واحدة
تخيلي المشهد: داخل جسدك تقوم أحياء كاملة من الكائنات الدقيقة، بكتيريا، فطريات، وحتى فيروسات، تعمل بلا توقف. ليست مجرد طفيليات، بل كثير منها فريق دعم أساسي يساعدك على هضم الطعام، تنظيم الهرمونات، محاربة العدوى، وحتى يؤثر على المزاج.
بالنسبة للنساء، اكتشف العلماء شيئا مثيرا: لا يوجد "ميكروبيوم" واحد فقط وإنما ثلاثة أنظمة بيئية موزعة على الأمعاء والمهبل والمثانة. لكل منها "ثقافته" الخاصة لكنها معا تشكل دعامة للصحة، عندما تعمل في انسجام تشعرين بأنك أقوى وأكثر صحة، وإذا اختل أحدها يتأثر الآخرون بارتداد الموج. لنقم بجولة في هذه الأنظمة الثلاثة.
الأمعاء هي مركز الطاقة وقلب المدينة الميكروبية المزدحمة والمتنوّعة التي تدير المشهد. تحتوي على أكبر تنوّع من الكائنات، تهضم الطعام، تصنع الفيتامينات، وتشكل جهاز المناعة. حتى أنها تؤثر على مستويات "الأستروجين" عبر مجموعة من البكتيريا تُسمى "الاستروبيلوم". إذا اختل توازن هذا النظام بسبب المضادات الحيوية، التوتر، أو نظام غذاء قليل الألياف، يمكن أن تصابين بالالتهاب، وترتبك هرموناتك، ويفتح الباب أمام مشاكل تتجاوز الهضم.
إذا كانت الأمعاء هي وسط المدينة فالمهبل سورها المنيع الذي تحرسه بكتيريا "اللاكتوباسيلوس" التي تبقي البيئة حمضية وغير مناسبة للغزاة، لكن هذه الفئة ليست ثابتة، فالتغيرات الهرمونية خلال الدورة الشهرية، الشركاء الجدد في العملية الجنسية، أو حتى الصابون المعطر يمكن أن يربك توازنها، وإذا انخفض "اللاكتوباسيلوس" تتقدّم بكتيريا أخرى تسبب الالتهابات البكتيرية أو الفطريات أحيانا، أو يمكن أن ترفع من خطر العدوى المنقولة جنسيا، لذا لا يحمي "الميكروبيوم" المهبلي السليم من العدوى فقط، وإنما أيضا يدعم الخصوبة والحمل والراحة في كل مراحل الحياة.
لسنوات طويلة ظن الأطباء أن المثانة بيئة معقمة وأشبه بمجتمع مغلق لا يدخله أحد، لكن من خلال استخدام أدوات جديدة تعتمد على تحليل الحمض النووي اكتشف الباحثون أن المثانة تحتوي على "ميكروبيوم" منخفض الكثافة خاص بها. نظام المثانة صغير لكنه قوي، عندما يكون متوازنا يحمي من التهابات المسالك البولية، أما إذا اختل فقد يساهم في التهابات متكررة، فرط نشاط المثانة، وأعراض بولية تعاني منها كثير من النساء بصمت. هذا الاكتشاف فتح بابا جديدا، وبدلا من الاعتماد الدائم على المضادات الحيوية لمكافحة الالتهابات، يمكن يكون بإمكاننا مستقبلا دعم "ميكروبيوم" المثانة كما نفعل مع الأمعاء؟
هذه الأنظمة البيئية الثلاثة ليست جزرا منفصلة بل جيران يتواصلون عبر وسائل عدة:
الهرمونات: ما يُنتج في مكان يؤثر على الأخرين، فمثلا تعيد ميكروبات الأمعاء تدوير الأستروجين الذي يشكل بطانة المهبل وميكروباته.
الإشارات المناعية التي تنتقل عبر الدم، الالتهاب في الأمعاء مثلا قد يغيّر استجابة المهبل أو المثانة للبكتيريا.
نمط الحياة، فالرجيم، التوتر، التدخين، والمضادات الحيوية، كلها عوامل تؤثر على تلك الأنظمة معا. لذلك، النساء اللواتي يعانين من التهابات مهبلية متكررة غالبا ما يواجهن أيضا مشاكل هضمية أو التهابات بولية متكررة، فالأنظمة تعكس اختلال بعضها البعض.
على ضوء هذه المعطيات يبرز تساؤلا هاما يتعلق بأهمية التوازن بالنسبة للأنظمة الثلاثة، وربما يمكن تلخيص الإجابة في عدة نقاط أبرزها:
الخصوبة والحمل: اختلال توازن المهبل مرتبط بالولادة المبكر، وتراجع نجاح أطفال الأنابيب.
العدوى: اختلال "الميكروبيوم" في المثانة أو المهبل يزيد خطر التهاب المسالك البولية والتهاب المهبل البكتيري والفطريات.
سن اليأس: مع انخفاض "الأستروجين" يتراجع "اللاكتوباسيلوس" في المهبل، مما يؤدي إلى الجفاف، العدوى، وأعراض بولية.
الصحة العامة: أدلة ناشئة تشير إلى أن اختلال "الميكروبيوم" قد يسهم في الالتهابات المزمنة، مشاكل الأيض، وربما أمراض مناعية ذاتية.
ما الذي يمكن فعله:
العلم لا يزال يتطور لكن هناك خطوات واضحة:
استخدام المضادات بحكمة، فهي تعالج العدوى لكنها تمحو أيضا البكتيريا المفيدة.
دعم الأمعاء بالألياف والأطعمة النباتية والمخمرة، كذلك ممارسة الرياضة، وإدارة التوتر، كلها عوامل تدعم التوازن.
النظافة وتجنّب الصابون القاسي والغسول، فالمهبل والمثانة لهما دفاعاتهما الخاصة.
فاعلية "البروبيوتيك"، فالأبحاث على مكملات "اللاكتوباسيلوس" (عبر الفم أو المهبل) واعدة لكنها غير مؤكدة بعد.
بعد سن اليأس يمكن للعلاج الموضعي بالأستروجين أن يعيد توازن المهبل ويقلل التهابات البول.
في النهاية، ما زلنا في بدايات فهم كيف تتواصل "الميكروبيومات" الثلاثة، قد يحمل المستقبل خرائط ميكروبية شخصية لكل امرأة، علاجات "بروبيوتيك" مصممة للمثانة والرحم، وطرق علاجية تعمل مع الميكروبات لا ضدها، لكن الواضح حتى الآن أن "الميكروبيوم" الأنثوي ليس قصة واحدة بل ثلاثية متشابكة تحمي وتغذي وتؤثر في بعضها البعض، لذا فإن دعمها يعني دعم صحة المرأة في كل مراحل حياتها.