قيثارة أورفيوس: حين تحرر الموسيقى الإنسان

20 May 2026
يقول نيتشه إن الحياة بدون موسيقى ستكون غلطة، ونفياً مريراً لا يُطاق
يقول نيتشه إن الحياة بدون موسيقى ستكون غلطة، ونفياً مريراً لا يُطاق
eliaslb45@gmail.com
الياس عيسى الياس
تابع الكاتب عبر :

يُحكى في أساطير اليونان القديمة عن أورفيوس، الشاب الذي لم يكن يملك سلاحاً سوى قيثارته، لكنه استطاع بها أن يفعل ما عجز عنه الأبطال والملوك. تقول الأسطورة إنه حين فقد حبيبته يوريديس، واختطفها الموت إلى عالم الظلام السفلي، لم يذهب ليحارب بالسيف، بل ذهب ليغني. وبصوت أوتاره الرقيقة، استطاع أن يلين قلب ملك الموت القاسي، ويجعل الوحوش تهدأ، والأنهار تتوقف عن الجريان لتصغي إليه.

هذه القصة ليست مجرد حكاية خرافية، بل لحظة أدرك فيها الإنسان أن الموسيقى مفتاح الخروج من السجن، السجن الذي نسميه الزمان والمكان. وهي الأداة التي نسترد بها كرامتنا أمام فناء الجسد. إنها رعشة الروح التي تمرد بها الإنسان على ثقل الأرض وقوانين المادة. وكأنها تؤكد مقولة نابليون بونابرت بأن "الموسيقى هي الصوت الذي يخبرنا بأن الجنس البشري أسمى مما يعتقد".

في البدء، صنع الإنسان البيوت والتماثيل، لكنه شعر بالغربة، لأن الحجر يظل حجراً، يسكن مكاناً ثابتاً ويخضع للجاذبية. أما الروح فكانت تبحث عن شيء يشبهها، شيء يطير بلا أجنحة. فكانت الموسيقى ذلك الانفجار الجميل الذي حطم قيد المكان، لتجد الذات نفسها حرة في فضاء الزمان الخالص.

الموسيقى الفن الوحيد الذي يتجرأ على نفي العالم الخارجي بكل ضجيجه وأشيائه، ليقيم مملكته في القلب وحده. هناك لا نحتاج إلى عين ترى المسافات، بل إلى أذن تصغي إلى الاهتزاز. والاهتزاز في جوهره فعل تضحية. فلكي يولد الصوت، يجب أن تضطرب الأوتار وتكاد تتلاشى لتتحول إلى تموجات غير مرئية. وهذا التلاشي المستمر هو ما يمنح النغم صبغته الروحية الرقيقة. وكما يرى نيتشه بجرأته المعهودة، فإن "الحياة بدون موسيقى ستكون غلطة، ونفياً مريراً لا يُطاق".

في الموسيقى لا نواجه كتلة صلبة، بل نواجه دفقاً يخترقنا، يحولنا من كائنات محبوسة في أجسادها إلى ذوات سائلة تسبح في بحر من النور. ولعلنا جميعاً نحمل في ذاكرتنا لحظات كانت فيها الموسيقى هويتنا الوحيدة. فمن منا لا يذكر أيام المراهقة، حين كنا نقود سياراتنا في شوارع العمر الأولى، يرافقنا عزف زامفير على آلة البان فلوت، وكأن أنفاسه التي تخرج من القصب هي أنفاسنا نحن في حالة العشق تلك. وفي لحظات أخرى، كانت الموسيقى ذلك الصمت المأهول، حين كنت أعتزل العالم ممسكاً بكتابي في أحضان الطبيعة. هناك تتداخل زقزقات العصافير مع رائحة الأشجار المبللة بالندى، لتصنع سمفونية كونية فطرية، تجعلني أشعر أنني لست مراقباً للكون، بل جزء من نبضه الشامل.

اليوم يتجسد هذا المعنى الوجودي للموسيقى أمامي في أدق تفاصيل حياتي. ففي كل يوم، حين تجلس ابنتي كلارا لتتمرن على البيانو، أشعر كأن الزمان يتوقف خجلاً أمام رقة أصابعها. إن استماعي إلى عزفها اليومي ليس مجرد متابعة أب يراقب ابنته، بل طقس وجداني يعيد صياغة يومي بالكامل. حين تتمرن، أرى كيف تروض مادة البيانو الصلبة لتخرج منها ألحاناً تشبه أحلامها. وفي تلك اللحظات يذوب تعب العالم، ويتحول ضجيج المسؤوليات إلى سكينة. إن صدق محاولاتها، وتعثرها، ثم انسياب اللحن من تحت أناملها، هو الحوار الأنطولوجي الذي يربطني بالحياة. وهي تجسد ما قاله فيكتور هوغو "الموسيقى تعبر عما لا يمكن قوله، وعما لا يمكن السكوت عنه".

فيما يظل العالم برانياً بضجيجه، تبني كلارا بعزفها عالماً جوانياً يرمم صدوع الروح، ويجعل من البيت مكاناً لا يحده جدار، بل يحده نغم. هنا تتخلى الروح عن حاجتها إلى العين، تلك الحاسة التي تفصلنا عن الأشياء وتضع حدوداً بيننا وبين ما نراه، لتعتمد على الأذن بوصفها حاسة اللمس الروحي والنفاذ. فيذوب العالم الخارجي ليحل محله عالم داخلي لا يعرف الجغرافيا ولا يحتاج إلى خرائط.

تصبح الموسيقى اللغة التي تشبهنا. فنحن لسنا تماثيل ثابتة، بل زمن يمضي وصيرورة لا تتوقف. وبينما يظل التمثال صامداً في مكانه يتحدى القرون ببرود، يبقى اللحن الموسيقي محكوماً بجمال الزوال اللحظي. فالنغمة تولد لتموت في اللحظة ذاتها، وهي حين تموت لا تترك خلفها عدماً، بل تترك شوقاً للنغمة التي تليها. هذا الفناء هو الذي يخلق الوحدة في أرواحنا، إذ نجمع هذه الشظايا الصوتية المبعثرة في الزمان، لنصهرها في قلوبنا ونحولها إلى معنى، محولين الزمان الفاني إلى خلود باق.

وكأن نغمات كلارا هي المصباح الذي وصفه جبران خليل جبران حين قال "الموسيقى كالمصباح، تطرد ظلمة النفس، وتنير القلب فتظهر أعماقه". الروح لا تسكن العالم كغريبة، بل تعيد خلقه وصياغته مع كل رنة وتر، لتؤكد لنا أننا بالحب وبالموسيقى نستطيع دائماً أن نسترد كرامتنا ونعلن انتصارنا على الوقت والنسيان.