هل ترى أنفك؟
أقرب الأشياء إلى عينيك قد يكون أبعدها عن انتباهك. جرب الآن أن تلتفت إلى أنفك، ستجده حاضرا في مجال بصرك، مقيما في طرف الصورة، قريبا إلى درجة أن الوعي طواه من المشهد، وأعفاه من الحضور، وتركه هناك ظلا لازما لا يستوقف العين، ومعنى ماثلا لا يستدعي التأمل. العين تراه، والعقل يتجاهله، والعادة تسدل عليه سترا شفافا، حتى يظل العالم الأبعد أولى بالنظر من الشيء الأقرب.
في هذه المفارقة الصغيرة يختبئ سر واسع من أسرار حياتنا. أشياء كثيرة لا تضيع لأنها رحلت، وإنما لأنها أقامت طويلا في جوارنا. لا تغيب لأنها بعيدة، ولكن لأنها اقتربت أكثر مما ينبغي. لا تفقد قيمتها لأنها نقصت، بل لأن انتباهنا نقص أمامها. كم من نعمة ظلت في مكانها، وسقطت من يقظتنا؟ وكم من وجه قريب حجبته كثرة اللقاء؟ وكم من بيت، وطريق، وصوت، وكوب ماء، صار من تكرار الحضور كأنه غير موجود؟
في مقالة سابقة كان السؤال: كيف يتحول بريق الجديد إلى أمر مألوف؟ وهنا يطل الوجه الآخر للسؤال: هل يستطيع المألوف أن يعود جديدا؟ وهل يمكن للعين أن تسترد دهشتها، لا بتغيير العالم، وإنما بتغيير المسافة بينها وبينه؟
للألفة نعومة خادعة. تأتي أول الأمر رفيقة رحيمة، تروض رهبة الجديد، وتمنح النفس سكنا بعد قلق. ثم تنشر، إن تركناها بغير يقظة، غبارا رقيقا على الأشياء. البيت الذي دخلناه أول مرة بقلب واجف، يصير مفاتيح معلقة وجدرانا صامتة. الطريق الذي بهرنا في بدايته، يصير خطا محفوظا بين بابين. الصوت الذي كان يفتح في القلب نافذة، يغدو جزءا من ضجيج اليوم.
في علم النفس معنى قريب يسمى "adaptation"، أي التكيف أو الاعتياد. وهو أمر ضروري من ضرورات الحياة، فلولاه ما احتمل الإنسان الصدمات، ولا استقر في عمل، ولا سكن بيتا، ولا عاش مع الناس. غير أن هذه القدرة النافعة قد تصير حجابا ناعما، إذ تجعل النفس تعامل العطايا كأنها أشياء مقررة، لا تستحق وقفة ولا التفاتا. يفرح الإنسان بالشيء، ثم يألفه، ثم يطلب غيره، ثم يألف غيره، كأن القلب يمشي في سوق لا تنتهي.
غير أن المألوف لا يموت، وإنما يختبئ. ينسحب من واجهة الشعور إلى مخزن عميق في الروح، حتى يوقظه غياب، أو مرض، أو سفر، أو خسارة، أو كلمة من طفل يرى ما عجز الكبار عن رؤيته. كوب الماء الذي لا نلتفت إليه على المائدة يصبح معجزة صغيرة عند الظمأ. السرير العادي يعرف قدره من بات ليلة على مقعد سفر. والعافية التي لا يسمع الإنسان صوتها تصير، عند أول وجع، أغلى من كل ما كان يطارده.
هنا يتقدم التدبر خطوة، وتتقدمه معه اللغة. فالتدبر لا يضيف إلى الشيء مادة جديدة، وإنما يرد إليه حضوره القديم. لا يغير الكوب، وإنما يغير مقامه في النظر. لا يبدل الطريق، وإنما يوقظ ما نام فيه من ذاكرة وأثر. في النقد الحديث مصطلح لافت هو "defamiliarization"، وتدور ترجماته بين "التغريب"، و"نزع الألفة"، و"كسر التعود". ومعناه أن يؤخذ الشيء المألوف من يد العادة، ويوضع أمامنا في هيئة جديدة قليلا، حتى يطول النظر إليه.
فالكوب يغدو زجاجا وماء وضوءا ويدا تمتد، ورحلة خفية من السحاب إلى الفم. ومن وراء هذه الرشفة الصغيرة يلوح سؤال قديم عظيم: من أنزل هذا الماء من المزن؟ وكيف قطعت القطرة طريقها من علو الغيم إلى حافة الكوب؟ عندها لا يبقى الماء سائلا شفافا نبتلعه على عجل، وإنما يصبح أثرا من السماء، ودرسا صغيرا في الامتنان، ومرآة لما يحجبه الاعتياد عن العين.
سرعة الفهم تقتل أحيانا لذة الإدراك. نسمي الشيء فنظن أننا عرفناه، ونضع له اسما فنتوهم أننا امتلكناه. وما أكثر ما تكون الأسماء أقفالا لا مفاتيح، إذا منعتنا من إعادة النظر. لذلك يأتي التدبر ليزيد العين حياة، ويبطئها أمام العابر، ويستوقفها عند المهمل، ويعيد للشيء العادي هيبته الأولى.
واللغة تفعل ذلك إذا خلصت من ابتذال الاستعمال. كلمة قديمة تستعيد شبابها إذا وضعت في موضعها، وعبارة أنهكها الدوران تنهض من جديد إذا مسها محرر بصير. أما الترجمة، ففيها شيء من هذا السحر الهادئ: اللفظة التي شاخت في لغتها الأولى قد تدخل لغة أخرى فتسترد نضارتها، والمعنى الذي نام في قالب مألوف قد يصحو في تركيب عربي أليق به. يخرج المعنى من بيت، ثم يعود إلى القارئ وفي عينيه اتساع جديد.
وفي تراثنا الأخلاقي باب واسع اسمه الشكر، وهو قريب في لغة العصر من معنى "gratitude"، أي الامتنان. والشكر هنا طريقة في النظر، لا عبارة تقال على عجل. من شكر الماء شربه بفمه وروحه؛ تأنى في رشفته، وأمهل جسده وقلبه، واستعاد في كل جرعة معنى النعمة. وليس بعيدا عن هذا ما جاء في الهدي النبوي من الشرب على ثلاث، كأن الماء لا يؤخذ على عجل، وإنما يستقبل بأدب الجسد ويقظة الشعور.
ومن شكر نعمة السكن دخل البيت دخول العائد من منفى، لا دخول الغافل الذي يفتش عن عيب في الجدار وينسى نعمة سقف الأمان. ومن شكر الوجه القريب، رآه في حضوره، لا بعد أن يوقظه الفراق على قيمته. لذلك تلتقي عين الشاعر بعين الحكيم في مواضع كثيرة، فكلاهما يحاول إنقاذ العالم من إلف العادة. فالخبز زرع ومطر ويد وتعب وانتظار. والضوء عودة يوم جديد إلى نافذتك. والطفل الذي يسأل عن الشيء الصغير يفضح فينا شيخوخة قصر النظر، لأنه يقف أمام ما نعبره مسرعين، ويرى فيه ما محته يد العادة من القلب.
وقديما قيل: "لكل جديد لذة". وهي كلمة صادقة، غير أن الحياة تضيف إليها حكمة أخرى: وللقديم لذة إذا وجد عينا جديدة وضع فيها قطرة التدبر. كم من كتاب نعود إليه بعد أعوام، فإذا هو غير الكتاب الذي تركناه، لا لأنه تبدل، وإنما لأن وعي القارئ تبدل. وكم من شارع عادي يلمع فجأة لأنه ارتبط بذكرى، أو غاب عنا زمنا، أو مشينا فيه مع من نحب. الأشياء لا تحمل قيمتها في مادتها وحدها، وإنما في الصلة التي تربطها بنا، وفي المعنى الذي يستيقظ داخلها.
والمحرر الجيد يفعل ذلك مع اللغة. لا يمر على العبارة المتعبة مرورا باردا، وإنما يسألها: أين اختفى ضوؤك؟ أي كلمة أثقلتك؟ أي تركيب أطفأ نفسك؟ والمترجم البصير يفتش في النص عن مواضع غطاها الغبار، فيمسحها برفق، حتى تظهر الفكرة في العربية كأنها ابنة بيتها، لا ضيفة ثقيلة على أهله. والإنسان، قبل الكاتب والمترجم، يحتاج إلى هذا التحرير الداخلي: أن يراجع علاقته بالأشياء، وأن يصحح ترجمته للنعم، فقد يترجم الوفرة إلى ملل، والقرب إلى عادة، والستر إلى حق، والحياة إلى جدول أعمال.
هل ترى أنفك؟ السؤال يبدو طريفا في ظاهره، غير أنه يمس عصب الحياة. فالمشكلة في أحيان كثيرة ليست في غياب الأشياء، وإنما في سقوطها من مجال الانتباه. نحن لا نحتاج دائما إلى عالم جديد كي نستعيد الدهشة، نحتاج أحيانا إلى عين مغسولة من غبار التعود. الجديد يدهشنا لأنه جاء إلينا من بعيد، والمألوف يدهشنا عندما نكتشف أننا نحن الذين ابتعدنا عنه. ومن بلغ هذه المعرفة عاش في الدنيا أخف طمعا، وأصفى ذوقا، وأرق طبعا.