فكرة وابتسامة

12 مايو 2026
ماذا يعني أن نأخذ فكرة جريئة على محمل الجد؟
ماذا يعني أن نأخذ فكرة جريئة على محمل الجد؟
daahnoonabd63@gmail.com
عبد الرزّاق دحنون
تابع الكاتب عبر :

في حكمة قديمة تقول: العلم في الصغر كالنقش في الحجر. والمعنى المراد هنا خطير، لأن المعلومة التي تحصل عليها وأنت ماتزال صغيراً ترسخ في الذاكرة وبالتالي توجه نمط تفكيرك وحياتك في الكبر. 

وقال أهل اليمن السعيد في غابر الأزمان: أبقى من وحي في حجر. والوَحْيُ هنا الكتابة والنقش. ولعلّ الفيلسوف الصيني لاوتسي ابن القرن الخامس قبل الميلاد يرشدنا إلى التفكير المُستقيم في هذا الباب، حيث يقول: راقب أفكارك لأنها ستصبح كلمات، راقب كلماتك لأنها ستصبح أفعالاً، راقب أفعالك لأنها ستتحوّل إلى عادات، راقب عاداتك لأنها تكوّن شخصيتك، وراقب شخصيتك لأنها ستحدّد مصيرك". 

أقول دائماً إن أحد الأشياء التي تفصل العلم الذي يُصيب عين الحقيقة عن العلم المزيف أو لنقل بتهذيب أكثر الميتافيزيقي أو بتعبير ألطف الأسطوري هو أنه بينما يُسمح لك في كليهما بقول أي فكرة مجنونة تخطر ببالك، فإنك في العلم الصرف ملزم بأخذ تلك الفكرة على محمل الجد. 

تخيّل أنك في أمسية متأخرة مع الأصدقاء، حيث تقضون وقتاً ممتعاً، تتبادلون أطراف الحديث، ثم تخطر ببالك فكرة جريئة، وتشعر بالجرأة الكافية لمشاركتها مع المجموعة: يا جماعة الخير، اسمعوا، ماذا لو أن كوكب الأرض ليس الوحيد المأهول في كوننا الذي يتوسع على حد تعبير أكابر علماء الفلك. فكرة قوية. فكرة مثيرة للاهتمام. لو قلت هذا الكلام أمام مجموعة من الفيزيائيين الفلكيين، لرأيت شيئًا أشبه بالمعجزة، لرأيت هؤلاء الأشخاص الجادين والأذكياء يأخذون الأمر على محمل الجد. 

وماذا يعني أن نأخذ فكرة جريئة على محمل الجد؟ يعني ذلك أننا سنبحث فيما إذا كانت الفكرة قابلة للتطبيق فعلاً، وما إذا كانت هناك طريقة لاختبارها. للتأكد من جدوى فكرة جريئة ومبتكرة، وربما رائعة، في عالمنا الواقعي، علينا القيام بأمرين، بل ثلاثة. أولًا، علينا أن نرى إن كانت هذه الفكرة الجديدة تحل أيًا من مشاكلنا. هل تُزيل توتراً قائماً؟ هل تُقدم رؤية جديدة؟ هل تُفسر لغزاً محيراً؟ لكي تنجح هذه الفكرة الجديدة، يجب أن تُؤتي ثمارها، وبالتالي يجب أن تُساعدنا في رحلتنا نحو فهم أعمق لكوننا. 

ثانيًا، لكي تنجح هذه الفكرة، يجب أن تتوافق مع قوانين الفيزياء المعروفة. هذا لا يعني أنها لا يمكن أن تُحدث تغييرات جذرية. فربما يكون من عادات الفيزيائيين تحطيم كل ما يبتكرونه. لكن علينا أن نكتشف ما الذي سيتعطل وأين ولماذا، حتى نفهم تبعات هذه الفكرة الجديدة. ثالثاً، علينا استخدام هذه الفكرة الجديدة للتنبؤ. سنختبرها، لذا نحتاج إلى شيء نشير إليه. شيء نفحصه. شيء نكشفه ونرى ما بداخله. 

وأخيراً، نحتاج إلى تصميم طريقة لإجراء هذه الاختبارات. هل نحتاج إلى مرصد أو مصادم جديد؟ هل يمكننا استخدام بيانات قديمة مؤرشفة؟ هل يمكننا تعديل نظام قائم وتجربة زاوية جديدة للنظر إلى الأمور؟ الكون أمامنا وهو الفيصل في تقييم أفكارنا، وعلينا اختبار هذه الأفكار. أما فيما يتعلق باحتمالية وجود حياة على كوكب آخر في هذا الكون الفسيح والذي يتوسع على مدار الساعة، فقد تناولنا جميع الاحتمالات الثلاثة. وما زلنا نجهل وجود حياة على الكواكب الأخرى في مجرتنا درب التبانة أو في المجرات المجاورة لنا. 

ذلك لأن هذه مشكلة معقدة للغاية تتطلب الكثير من الدقة والاهتمام، ونادراً ما نجد في العلم إجابات قاطعة وواضحة. بل نجد سلسلة من التساؤلات من قبيل: هذا مثير للاهتمام، أو ربما ينجح الإنسان في اكتشاف ذلك، أو اتضح أن هذا النهج كان خاطئًا، أو حسنًا، ماذا لو جربنا طريقة أخرى للوصول إلى نتيجة مرضية. كما قلت، سنأخذ أفكارنا، حتى تلك الجامحة منها، على محمل الجد.