هل تفسد السينما الأعمال الأدبية؟

10 May 2026
salsabeel11alkhaldi@gmail.com
سلسبيل الخالدي
تابع الكاتب عبر :

إذا كنت محبًا للفن السابع، فلا بد أنك شاهدت أحد سلاسل الفنتازيا الشهيرة مثل هاري بوتر، سيد الخواتم، سجلات نارنيا، أو حتى سلسلة ألعاب الجوع. ولكن إذا كنت قارئًا حقيقيًا لأحد هذه الأعمال بشكلها الأدبي فقد تأخذ أفكارك ونقدك للأفلام بطريقة أخرى أكثر حدة من النقاد أنفسهم. إذ عُرف القراء منذ زمن طويل بنقدهم الحاد لجميع الأفلام أو المسلسلات التي تناولت أعمالهم الأدبية المفضلة، وغالبا ما اتهموها بالضعف عن التعبير الحقيقي لما أراد الكاتب إيصاله في الحقيقة، قد ينطبق ذلك على روايات الفنتازيا أكثر من غيرها، أو أن يعتبروها مجرد نسخة للبيع لا تقدر بثمن حقيقي كما هو الحال في الكتاب نفسه.

قد نجد هنا تناقضا شديدا لو نظرنا للأمر من جانب آخر، فمثلا سلسلة قراصنة الكاريبي بأجزائها الخمسة التي لم يقل متوسط تقييم السلسلة عن 7,1 بحسب موقع IMDB والتي حصلت على العديد من الإطراءات والمعجبين في شتى أنحاء العالم، بل ويعتبرها البعض سلسلة الأفلام المفضلة لديهم، هذا بخلاف الشخصيات الأيقونية التي لن تتكرر في السينما الموجودة في الأفلام مثل جاك سبارو الذي يؤدي دوره جوني ديب وقد رُشح بسببها على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل في عام 2004 ولكنه لم ينلها، فقد كانت هذه السلسلة الفريدة التي أسرتنا تعتبر اقتباسا من رواية الكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون (جزيرة الكنز). وكلنا نعلم أن التفاصيل المثيرة للإعجاب التي أُضيفت في الأفلام قد فاقت ما كتب في الرواية نفسها، فهل تفسد الأفلام الأعمال الأدبية أم تحولها لواقع ملموس ومؤرشف في ذاكرة السينما العالمية؟

لتكون مخرجا مبدعا وذو لمسة مميزة تُعرف عنك من خلال ما تخرجه لدور العرض أو على شاشة تلفاز بمنزل بعيد جدا عن موقع التصوير، ويقول أحدهم عنه: ”يا لها من خطوة جريئة" إذا عليك أن تعرف معنى التضحية.

قد لا يكون ضعف الحبكة في أحد أجزاء الكتاب أو عدم إعجاب المخرج به أحد الأسباب التي سيحذف المخرج فصلًا، بل مقطعًا كاملًا مليئًا بالتفاصيل والشخصيات والتشويق، من أحد أفلامه، فهنالك بالتأكيد أسباب أخرى أكثر إقناعًا.

قبل أن نخوض في التفاصيل لابد أن نعلم بأن الرواية التي تكتب حتى لو كانت كاملة فإنها ليست كذلك، إلا إذا تحول كل الكتاب حينها لمخرجين أعمالهم الخاصة، حينها ستحصلون على فيلم كامل دون إضافات أو حذف.

ولأن المخرج قبل أن يكون مخرجا هو إنسان صاحب فكر مغاير للأشياء، فعليه أن يجد أجمل ما في الأمور ليظهره لنا من وراء الكواليس وحتى أن يبتكر بعضه. فعلى سبيل المثال، بجانب مدة العرض المتوقعة، وإيقاع السرد الذي قد لا يستطيع أغلب المخرجين تصويره بنفس الترتيب (كالرجوع بالزمن للوراء أو الذكريات العشوائية المكتوبة في الرواية), فإن بعض الأمور التي تنجح في الكتاب لا تنجح على الشاشة.

وكحقيقة ممتعة عن هذه المشاهد، فإنها قد لا تكلف في كل الأوقات الأموال فقط. فيلم " Dr. Strangelove" (1964) المقتبس من رواية "الإنذار الأحمر" (1958) من إخراج ستانلي كوبريك، كان هناك ذلك المشهد الذي يدور حول مشاجرة بين زعماء العالم، ولكنها لم تكن بالأسلحة أو الدبابات، بل بالفطائر، كانوا يجلبون يوميا حوالي 2000 فطيرة لمدة تصوير لم يصرح عنها للإبقاء على المعركة واقعية قدر الإمكان، ولكنه في النهاية، كما هو متوقع، تم الاستغناء عن المشهد لأسباب تتعلق بالمال والوقت الطويل الذي يحتاجه للإنتاج، بالإضافة للحساسية السياسية بعد اغتيال الرئيس جون كينيدي في تلك الفترة.

الميزانية ليست كل شيء، ففي بعض الأحيان يتوقف الأمر على الطريقة التي يتخيل بها المخرج الفيلم أو الطريقة التي يريد من الفيلم أن تؤثر على الجمهور، فيلم The Shining (1980)  المقتبس من رواية ستيفن كينغ، ومن إخراج ستانلي كوبريك مجددا، فقد كانت هناك مشاهد كان من المفترض أن تتضمن بعض التفاصيل عن خلفية عائلة لورانس وعلاقة جاك بزوجته وابنه، ولكن كوبرنيك قرر إزالتها لأسباب تتعلق بتفضيله التركيز في الفيلم على الرعب النفسي أكثر من الدراما العائلية، ولكن ذلك لم يعجب ستيفن كينغ الذي وصف هذا الحذف بمثابة “إضعاف للجانب الإنساني في الشخصيات”. ولكن التوتر توقف عند هذا الحد، وهنا دورنا لنتساءل: هل يُظلم الكاتب حينما تُحذف مشاهده دون استبدالها بخيارٍ أفضل؟.

قد لا يعرف الجميع ذلك، ولكن للمخرج أيضًا رؤيته الخاصة للأمور الأدبية التي قد تجعل من أعماله أكثر نجاحًا مما تكون كرواية في الأصل.

بالعودة لفيلم The Shining فإننا ناقشنا سابقًا نظرة المخرج لتخطي العلاقات الدرامية والتركيز على الرعب النفسي في الفيلم، وعلى الرغم من انتقاد الكاتب (ستيفن كينغ) له في هذه النقطة إلا أنه لابد للجميع أن يعترف بأن تلك اللقطة الشهيرة في الفيلم التي أصبحت فيما بعد من أشهر لحظات الرعب في السينما، الإضافة: مشهد "Here's Johnny!" الشهير عندما يكسر جاك نيكولسون الباب الذي كان ابتكارا خالصا من عقل المخرج ولم يكن لها ذكرٌ في الرواية الأصلية على الإطلاق.

ولكن من جانبٍ آخر فإن بعض الإضافات التي يضيفها المخرجون قد لا تعجب جزءا كبيرا من القراء بل وقد تعكس الشخصيات بصورة مختلفة عما تعنيها في الحقيقة عندما كتبت بواسطة المحابر على إحدى الأوراق يومًا ما.

وكمثال بسيط، أكثر شخصية تم تمثيلها أو اقتباس من مغامراتها وطريقتها في أداء عملها وصفاتها؟ بالتأكيد نحن نعني شيرلوك هولمز. ولكن يبدو أن المخرجين سئموا من إظهاره بالطريقة الصحيحة، فجربوا أن يغيروا شخصيته من شخص كاره لفكرة الحب والزواج إلى عاشق لإيرين إدلر، الشخصية التي عرفها الجميع كمحبوبة هولمز ولكنها على العكس من ذلك فقد جاء ذكرها في الروايات على أنها "المرأة الوحيدة التي يحترمها ويقدرها هولمز"، وظهرت فقط في قصة قصيرة واحدة، بل وقد كان أحد الشهود على عقد زواجها من رجل آخر، ولكن من سيحب ذلك الشخص المتزمت والمستقل بعد الآن ليكون بطلًا يحبه الجميع؟

في هذا العصر تحولت الشخصيات الأيقونية من شخصيات استثنائية، لأدوات عرض رخيصة يتم التلاعب في تكوينها لإرضاء الفكر العام الناتج عن التكرار السخيف لبعض الأفكار التي تلزم البطل\ة بالارتباط في نهاية القصة أو التخلي عن جزء كبير من البرود والصرامة لتكون مقبولاً على الشاشة، مما جعلهم في النهاية يركزون على "الأكشن" والمظهر البصري أكثر من العمق العقلي والمنطقي لهولمز.

قد يقول البعض أن الأمر جاء بسبب بعض الجماهير التي أصبحت تفرض رؤيتها على مصير الشخصيات مما أدى لتغييرات جذرية في طريقة كتابة أو تصوير هولمز على سبيل المثال؛ بحيث يتم تكييفه على مع توقعات السوق أكثر من وفائه للأصل الأدبي.

بحسب دراسات حديثة نشرت مؤخرًا فإن 65% من الشباب يكتسبون صورًا نمطية عن الثقافات الأخرى من الأفلام والمسلسلات، و40% من المشاهدين يغيرون سلوكياتهم اليومية (مثل طريقة اللباس والكلام) بحسب ما شاهدوه في الآونة الأخيرة، بالإضافة لتأثير الأفلام على أكثر من نصف الجمهور وجعله يتبنى آراء سياسية أو اجتماعية حول العديد من القضايا كالعدالة والحرية والعلاقات الإنسانية، ولا ننسى أنها قد تكون المحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد الدولي في يومنا هذا، فنجد أنه مثلًا بعد عرض فيلم Black Panther ارتفعت مبيعات الملابس والإكسسوارات المستوحاة من الثقافة الإفريقية بنسبة 30% في الأسواق الأمريكية، مما يوضح فكرة كيف يمكن للفيلم التأثير في نمط الاستهلاك.

دراسات علم النفس الإعلامي تشير إلى أن حوالي 70% من المشاهدين يتأثرون عاطفيًا بمشاهدة الأفلام، ويسترجعون ذكريات أو مشاعر مرتبطة بها مما يجعل السينما منصة للتأثير النفسي العميق، وبعد كل هذه الإحصائيات التي لم تظهر لنا إلا قدرًا بسيطًا من قدر التأثير الكبير للأفلام على المجتمع، نجد أنفسنا أمام سؤال مهم: كيف سيكون عالم الروايات دون أفلام خاصة بها؟ هل كان هاري بوتر سيكون ما هو عليه الآن من شهرة بين مجتمع القراء ومحبي السينما على حد سواء، أم أنه سيكون عالمًا سريًا خاصًا بمن قرأ الروايات فقط؟ والأهم من ذلك وفي ظل الانتشار الكبير للأفلام وتأثيرها الثقافي في المجتمع هل هذا يعني أن الحبر على الأوراق أضعف من أن يُفهم إن لم يتم تمثيله؟