كيف يتحول بريق الجديد إلى أمر مألوف؟

06 مايو 2026
waelsayed77@yahoo.com
وائل السيد
تابع الكاتب عبر :

يزهو الإنسان ببيت جديد؛ يتفقد غرفه ويفرح بأثاثه، ويستعيد في كل زاوية تعب السنين ولذة الوصول. ويفرح بسيارة جديدة؛ يلمس مقودها، ويراقب مميزاتها، ويطيل النظر إلى تفاصيلها الصغيرة. ويدخل عملا جديدا؛ فيرى في مكتبه مكانا مستقلا، وفي البطاقة لقبا جديدا، وفي المكان بداية مختلفة. ويقتني جوالا جديدا؛ فيفتنه صفاء الشاشة، وسرعة اللمس، وبريق الصورة. ثم تمضي الأيام، فيبهت اللمعان، وتسكن الدهشة، ويدخل الجديد في سجل العادة.

هذه الظاهرة يعرفها علم النفس باسم"habituation"، أي التعود بالتكرار. فالأشياء تبقى في مواضعها، ولكن النفس تخفض استجابتها لها. ما كان يثير الانتباه أول مرة، يصبح بعد طول الصحبة جزءا من الخلفية اليومية، لا يتغير الشيء في ذاته، ولكن تتغير صلته بوعينا، وينتقل من دائرة الدهشة إلى دائرة المألوف.

ولهذا المعنى في الإنجليزية عبارات متعددة، تختلف بحسب درجة الألفة. تقول "اعتاد الأمر"  حين تريد المعنى المباشر، وتقول "بات معتادا"حين ترسخ الألفة ويهدأ أثر المفاجأة، وتقول "أصبح روتينيا" حين يدخل الجديد في نظام الأيام. فإذا صار الفعل جاريا بغير كلفة قيل صار طبيعة ثانية، أو عادة راسخة تتحرك بها النفس قبل أن تستدعي التفكير.

في زماننا شاع تعبير "الوضع الطبيعي الجديد"، كان العمل عن بعد غريبا، والاجتماع عبر الشاشة طارئا، والجوال الذكي مدهشا، والذكاء الاصطناعي مثيرا للانبهار، ثم صار كثير من ذلك من يوميات المكتب وأدوات الكاتب والطالب والباحث، ومع هذا التحول تظهر نعمة العادة وخطرها معا؛ فهي تريح الإنسان من فرط التوتر أمام كل جديد، لكنها قد تأخذ من روحه شيئا من الانتباه والتمييز.

وللعادة وجه رحيم لا ينبغي إنكاره، فلولاها لبقي الإنسان أسير الدهشة الأولى في كل أمر، ولما استطاع أن يمضي في عمل أو بيت أو علاقة أو مهنة، إنها تمنح النفس قدرا من الاستقرار، وتخفف عنها صخب التفاصيل، وتعينها على احتمال ما يتكرر. غير أن هذه الرحمة قد تنقلب إلى غفلة إذا تعود الإنسان ما لا ينبغي أن يعتاده: يتعود الضجيج حتى لا ينزعج منه، ويتعود الفوضى حتى لا يراها خللا، ويتعود الركاكة حتى يحسبها أسلوبا، ويتعود الخطأ حتى يمنحه حق الجوار.

وهنا يظهر معنى قريب مما يسمى في بعض الدراسات "تطبيع الانحراف أو اعتياد الخلل"، يبدأ الأمر باستثناء صغير، ثم يتكرر، ثم تخف مقاومته، ثم يدخل في النظام غير المعلن للحياة. وفي اللغة والتحرير يحدث ذلك كثيرا؛ فقد تشيع عبارة ضعيفة لكثرة دورانها، أو يطمئن الناس إلى تركيب مترهل لأنهم رأوه في عشرات النصوص، أو يمر الخطأ في النصوص المؤسسية حتى يصير مألوفا في العين والأذن.

ومع الذكاء الاصطناعي يزداد الأمر حساسية، من الإنصاف أنه أداة نافعة في البحث، والترتيب، واقتراح الزوايا، وتيسير المسودات الأولى. وقد يساعد الكاتب والمترجم والمحرر إذا ظل هو صاحب القرار والذوق والمراجعة. لكن الإفراط في الاعتماد عليه يورث النص رتابة ظاهرة: رعاية لفظية زائدة، وجملا مصقولة بلا حرارة، وصورا مستدعاة بلا ضرورة، ونبرة عامة تتشابه فيها الأصوات. عندها يبدو كل امرئ كاتبا مبدعا في الظاهر، فإذا فتشت النص وجدت صياغة لامعة، ومعنى خامدا، وكلاما حسن الهيئة قليل الروح.

وفي باب النعم يبرز مصطلح آخر يقصد به أن فرحتنا بالأشياء الجديدة تخف مع الزمن، نفرح بالبيت والسيارة والمنصب والجوال، ثم تبرد اللذة، ويدخل الجديد في عداد المألوف. ولذلك كان الشكر، في أحد معانيه النفسية العميقة، يقظة ضد ابتلاع العادة للنعم؛ أن نرى ما ألفناه، وأن ننتبه إلى ما حضر حتى لا نفقد قيمته من كثرة حضوره.

وتقول الإنجليزية أيضا "العادات القديمة تموت بصعوبة"، و"force of habit" للفعل الذي تقوده الذاكرة، و"old hat" لما فقد جدته، و"business as usual" حين تسير الحياة على عادتها بعد اضطراب عابر، وكلها تدور حول سؤال واحد: متى تكون العادة نعمة تعيننا على الحياة، ومتى تصبح ستارا يخفي عنا الخلل؟

لذلك يحتاج الكاتب والمترجم، ويحتاج الإنسان قبل ذلك وبعده، إلى يقظة تصون الذائقة من نوم الألفة، وترد العين إلى ميزانها كلما طال بها النظر. فكثرة العبارة الضعيفة لا تمنحها نسبا إلى الفصاحة، وشيوع الخطأ لا يرفعه إلى مقام الصواب، وتكرار القبح لا يخلع عليه رداء الجمال، ولقد عرفت العربية منذ قديمها أن العادة طبع ثان، غير أن الطبع الثاني إن لم يضبطه وعي صاحبه غلب على الطبع الأول، واستبد بالذوق، وأملى على النفس أحكامه في صمت.

وهنا تستوقفنا عبارة  "wake up to it"، فهي لا تعني أن يرى الإنسان الشيء لأول مرة، بل أن ينتبه إلى ما طال مقامه أمامه حتى كاد يغيب عنه. أن يألف الجديد، ولا يفقد ميزانه؛ وأن يعيش بين الناس، ولا يفرط في دهشته؛ وأن يسلك الطريق، ولا يكف عن سؤال القلب والعقل: إلى أين أمضي، وماذا أفقد كلما اعتدت؟