أحلام الفتى الطائر
كان الفتى يرى في منامه الكثير من الأحلام، نعم، نحن البشر نرى الكثير من الأحلام، فالإنسان من كل الأجناس في كل بقاع الأرض يرى الأحلام في المنام. هل الحيوان يرى الأحلام في المنام؟ لا ندري، أسأل قطتك في البيت فهي تعرف الجواب.
ولكن المُدهش بأن أحلام الفتى كانت عن الطيران، كان يفكر بالطيران في كل وقت، كان يريد أن يطير ولو لحظة في السماء، ولكن كيف للإنسان أن يطير ولا يسقط مثل حجر على الطريق. كان يُحب الطيران حباً جمَّاً، لذلك كثيراً ما يرى الطيور في أحلامه. وفي الصباح ينظر إلى كتفيه ويديه فلا يجد أجنحة كي يطير. فماذا يفعل؟ كان يُراقب جمع أنواع الطيور البرية والداجنة في حديقة منزله، الطيور الكبيرة والصغيرة، يُراقب النحل والفراشات كيف تطير، ويراقب حتى الدعسوقة التي يسميها "طباخ العنب والتين". نعم، هي تلك الدعسوقة الصغيرة حمراء اللون مبرقعة الظهر بنقاط سوداء، ومع ذلك تطير.
يُراقب النوارس في السماء بأجنحتها الكبيرة، فيراها تُحلق عالياً فوق مياه البحار والأشجار، تفرد أجنحتها، فترفعها الريح إلى السماء. يحلم الفتى كل ليلة. ولكنه حتى في أحلامه لا يطير. حلمه في الطيران يتكرر كل ليلة، وكان يأمل ذات يوم أن تنبت له أجنحة كبيرة ويطير. ولكن كيف يطير الإنسان؟ الطيران في السماء ليس أمر يسيراً. وقد حاول غيره الطيران من قديم الزمان بأجنحة من ريش الحمام ولكنه فشل فشلاً ذريعاً، وهو لن يكرر حكاية عباس بن فرناس على كل حال.
وفي ليلة دافئة جميلة نام الفتى نوماً عميقاً لأنه كان يفكر في الطيران كلَّ النهار. وفجأة، وجد نفسه في الحلم يقف على صخرة كبيرة عالية والريح من تحته تضرب جسده بقوة، أغمض الفتى عينيه في الحلم وترك جسده للريح، فأحس بأن وزنه بدأ يخفّ، مدَّ ذراعيه إلى الأمام بأقصى ما يستطيع، يا لها من لحظة رائعة، بدأ جسده يرتفع رويداً رويداً عن الصخرة العالية التي يقف عليها. أصابته الدهشة من هذا الحلم الغريب، وفكّر هل يستطيع الطيران فعلاً بلا أجنحة؟ نعم، لقد جاء الموعد، وها هو الفتى يطير بلا أجنحة مدَّ ذراعيه إلى الأمام فارتفع جسده في الأرض وطار. حلَّق عالياً في سماء المدينة فرأى ما تراه الطيور، بدت المدينة من الأعلى صغيرة والحقول والأشجار والأنهار والطرقات كأنها مرسومة في خريطة كان مدرس الجغرافيا يفردها معلقة على السبورة في الصف. ولكن السماء بدت واسعة لا حدود لها.
ماذا لو طار إلى الشمس، لا، لن يطير إليها، إنها حارة جداً ستحرق جسده. ولكن القمر أغراه أكثر، فهو أقرب إلينا من الشمس، فمدَّ ذراعيه باتجاه القمر، وطار، وراح يقترب من القمر بسرعة عجيبة. كان القمر بدراً، فطار حوله، ورأى ما يراه النائم في أحلامه. يحتوي القمر على عشرات الجبال والوديان والبراكين، فسطح القمر ليس مستوياً كما يظهر من الأرض. يُسمى وجه القمر الذي يُواجه الأرض دائماً بالجانب القريب، بينما يُسمى وجهه الآخر الجانب البعيد. وكثيراً أيضاً ما يُطلق على الجانب البعيد اسم الجانب المظلم. والقمر يدور حول نفسه بنفس سرعة دورانه حول الأرض، مما يجعله يواجه الأرض بوجه واحد دائماً، بينما يبقى الجانب البعيد مخفياً.
نظر الفتى الطائر إلى الأرض وهو يطير حول القمر فرأى الأرض كرة أكبر من القمر ولكنها رائعة الجمال. نظر الفتى الطائر في البعيد رأى هناك كواكب المجموعة الشمسية. وقال: لن أذهب إليها لأنها بعيدة جداً، أخاف أن أضيع ولا أستطيع العودة إلى كوكب الأرض ثانية. ضمَّ ذراعيه إلى بعضهما وعاد طائراً إلى كوكب الأرض، ومن شدة فرحة استيقظ من حلمه، فوجد نفسه في فراشه على كوكب الأرض الجميل.