لجان التكنوقراط في اقتصاد الحرب

15 August 2026
nalazy4@gmail.com
نايف حمود العزي
تابع الكاتب عبر :

تستند الدعوات إلى تشكيل لجان طوارئ اقتصادية إلى فرضية تبدو بديهية: أن الأزمة يمكن إدارتها عبر خبراء تكنوقراط محايدين يعملون خارج السياسة، ويستندون إلى حسابات اقتصادية خالصة.  غير أن هذه الفرضية تقوم على تصور مثالي للدولة بوصفها جهازًا إداريًا منفصلًا عن الصراع، يمكن تشغيله وإيقافه وفق اعتبارات فنية بحتة، لكن هذا التصور يتجاهل سؤالًا تأسيسيًا: هل يمكن للخبرة الفنية أن تكون مستقلة في سياق تتعدد فيه مراكز القرار وتتنازع فيه الشرعيات؟

في بيئة منقسمة مثل الحالة اليمنية، لا يظهر الخبير كفاعل مستقل، بل كجزء من بنية سياسية واقتصادية متنازعة، تُحدد شروط القرار قبل صياغته. وعليه، لا يصبح السؤال: هل يدير التكنوقراط الأزمة، بل كيف يُنتَج التكنوقراط داخل اقتصاد منقسم سياسيًا؟ في هذا السياق، لا تُدار اللجان خارج السياسة، بل تُعاد صياغة السياسة من داخلها، حيث تتحول الأدوات الفنية إلى امتداد لتوازنات القوة.

تفترض الفكرة التكنوقراطية أن الجهاز البيروقراطي قادر على إنتاج قرار فني مستقل عن موازين القوة. غير أن هذا الافتراض يتراجع في سياق مؤسسات منقسمة الولاء والمرجعية. في الحالة اليمنية، يعمل صانع القرار المالي أو النقدي داخل شبكة من التداخل المؤسسي والسياسي، حيث تتعدد مراكز النفوذ وأدوات التأثير. وبالتالي أي لجنة طوارئ ليست فوق هذا التشظي، بل جزء منه، والقرار داخلها يُصاغ ضمن حدود ما تسمح به مراكز القوة القادرة على التعطيل أو التمرير. وبهذا المعنى، لا يُنتج “الحياد التكنوقراطي” بوصفه حالة مستقلة، بل يتآكل قبل تشكله.

في الأنظمة المستقرة، تُستخدم اللجان لتخفيف الاحتكاك المؤسسي. أما في بيئات الانقسام، فهي تتحول إلى فضاء لإعادة إنتاج الصراع بأدوات اقتصادية. بدل أن يتم الصراع في الجغرافيا العسكرية، ينتقل إلى: أسعار الصرف، قرارات الاستيراد، تدفقات النقد الأجنبي، أولويات التمويل، وهنا تصبح اللجنة ساحة تفاوض بين مراكز نفوذ، لا أداة تنسيق محايدة. وبالتالي، لا تُخفف اللجنة من الصراع، بل تعيد توزيعه داخل بنية اقتصادية أكثر تعقيدًا وأقل شفافية. ومع تعدد مراكز القرار، تتراجع قدرة السوق على تشكيل توقعات مستقرة، ما يرفع كلفة المعاملات، ويعزز المضاربة، ويضعف قرارات الاستثمار طويل الأجل.

في هذا السياق، لا يعمل التكنوقراط كفاعلين مستقلين، بل كجزء من اقتصاد النفوذ، حيث تُحدد السياسات وفق القدرة على الوصول إلى القرار لا وفق الكفاءة الاقتصادية. ويتجلى ذلك في الوصول التفضيلي للعملة الأجنبية، التحكم في أولويات التمويل، توجيه القرارات التنظيمية. في هذه البيئة، لا تُقاس الكفاءة بالإنتاج، بل بالقدرة على الوصول إلى مراكز القرار، وبالتالي تتراجع آليات السوق لصالح أنشطة ريعية تعتمد على الامتياز المؤسسي.

من هنا يصبح السؤال، ماذا يحدث عندما تتعارض المصلحة الاقتصادية العامة مع المصلحة السياسية للطرف المسيطر على القرار؟ وفي هذه اللحظة، يتحول القرار من فني إلى سياسي يُصاغ بلغة تقنية، وهكذا تصبح التكنوقراطية غطاءً لإعادة إنتاج السياسة، لا لإلغائها.

يفترض الحياد التكنوقراطي وجود مركز قرار واحد يمنح الاستقلال أو يسحبه. لكن في اقتصاد مشطور، لا يوجد هذا المركز. وبدلًا من ذلك يوجد مراكز قرار متعددة، سلطات نقدية متوازية، شبكات تمويل متنافسة، مؤسسات بلا مرجعية موحدة، وفي هذا السياق لا يكون الحياد غائبًا فقط، بل مستحيل التحقق أصلًا. وبالتالي، لا يعمل التكنوقراط كوسطاء محايدين، بل كفاعلين داخل شبكة توازنات سياسية تحدد حدود القرار نفسه.

أخطر ما في خطاب اللجان التكنوقراطية ليس النية، بل النتائج غير المقصودة. فبدل تحسين الأداء المؤسسي، تؤدي هذه اللجان إلى إعادة توزيع السلطة داخل البنية نفسها، تأجيل الأسئلة البنيوية، إنتاج شرعية تقنية تغطي خللًا سياسيًا قائمًا. وعندما تُقدَّم قرارات سياسية كإجراءات فنية، تتحول التقنية إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ داخل الاقتصاد، ومع الوقت تصبح اللجنة جزءًا من الأزمة لا أداة لحلها.

لا تكمن المشكلة في نقص الخبرة الفنية، بل في وهم إمكانية فصل الاقتصاد عن السياسة في بيئة منقسمة. إن البحث عن “تكنوقراط محايدين” داخل لجان طوارئ لا ينتج حيادًا، بل يعيد إنتاج توازنات القوة نفسها بغطاء تقني، وعليه لا يكمن البديل في استبدال لجنة بأخرى، بل في تقليص مساحة تحويل القرار الاقتصادي إلى أداة نفوذ.

يتحقق ذلك عبر ثلاث ركائز مترابطة: نقل مركز الثقل من الأشخاص إلى القواعد، بحيث تُدار الملفات الاقتصادية وفق قواعد ثابتة لا تقديرات استثنائية. تقليص مركزية القرار عبر توزيع الصلاحيات داخل إطار مؤسسي واضح يمنع الاحتكار. مأسسة الشفافية بوصفها بديلًا عمليًا عن الحياد، عبر إتاحة البيانات المالية والنقدية بشكل منتظم. في هذا الإطار تُقيد السياسة بدل إلغائها، عبر قواعد تحد من تحولها إلى أداة انتقائية، وفي النهاية لا تُنهي اللجان الأزمة في الاقتصادات المنقسمة، بل تمنحها شكلًا مؤسسيًا أكثر انتظامًا واستمرارًا.