الذكاء الاصطناعي في حرب السودان
في أكتوبر 2025، سقطت مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش السوداني في دارفور، بيدِ قوات الدعم السريع بعد حصار امتدّ خمسمئة يوم، كانت الاتصالات مقطوعة كلياً وإمكانية الوصول الميداني للصحفيين والمراقبين معدومة، لكن على بُعد آلاف الكيلومترات، في مختبر جامعة ييل للأبحاث الإنسانية في نيو هيفن، كان فريق من الباحثين يُحلّل صوراً بالأقمار الصناعية التُقطت للمكان في 27 و28 أكتوبر.
الباحثون وصفوا ما رصدوه في تقرير صدر في 31 ديسمبر عام 2025: كومة من أجسام متوافقة مع رفات بشرية، وبقعاً حمراء وبيضاء على الأرض فسّرها المحللون بوصفها آثار دم أو مناطق تخلّص جماعي من الجثث، وانعداماً شبه كامل للحركة في مدينة كان يقطنها 250 ألف شخص، وخلص الفريق إلى أن "الغالبية العظمى من المدنيين إما قتلى، أو محتجزون أو مختبئون.، لم تكن هناك كاميرات صحفية توثق، ولا مراسلون يرصدون. كانت الأقمار الصناعية والخوارزميات تشهد وحدها على بعض ما يجري.
منذ أبريل 2023، يعيش السودان واحدة من أشدّ أزمات الرصد الإعلامي صعوبةً في التاريخ الحديث، الوصول الصحفي محدود ومُقيَّد من الطرفين: قوات الدعم السريع تمنح التصاريح لمن يدعم روايتها فحسب، فيما قلّص الجيش السوداني مدة التصاريح الإعلامية للصحفيين الأجانب من سنة إلى أسبوع واحد، وفضلاً عن ذلك، ظلّت مناطق كاملة كالفاشر والجنينة ومعسكر زمزم للنازحين، خارج نطاق الوصول الصحفي الميداني منذ اندلاع الحرب.
في هذا الفراغ تحوّلت التكنولوجيا الفضائية والذكاء الاصطناعي إلى الشاهد الوحيد الممكن، ففي مايو 2023، أطلقت وزارة الخارجية الأمريكية "مرصد الصراع السوداني"، بالشراكة مع مختبر "ييل" للأبحاث الإنسانية وشركتي"إيسري" و"بلانت سبيس"، يستخدم المرصد صور الأقمار الصناعية التجارية عالية الدقة وتحليل المصادر المفتوحة لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان على نحو شبه آنيّ وفوري.
ما تستطيع هذه التقنية فعله يبدو شيئاً مهمّاً ومبهراً في الوقت ذاته: إذ يمكن للمحللين التمييز بين مبنى أُحرق ومبنى تعرّض للقصف، وهذا الفرق ليس تقنياً، بل قانونياً بامتياز. فالحريق العمد يُشير إلى التطهير العرقي المتعمد، فيما تُعدّ الغارة الجوية العشوائية جريمة حرب من نوع مختلف، وهذه التفاصيل الدقيقة قد تكون وقائع وشواهد وأدلة ضمن ملف أمام المحكمة الجنائية الدولية يوماً ما.
وثّق فريق "ييل" المجازر التي شهدتها مدينة الجنينة غربيّ دارفور، في صيف 2023، على أنها إبادة موجّهة ضد قبيلتَي المساليت والزغاوة، وأسهمَ هذا التوثيق مباشرةً في إعلان وزارة الخارجية الأمريكية في يناير 2025 أن قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية؛ وهو القرار القانوني الأول من نوعه المتعلق بحرب السودان. وقال ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي للمختبر: "وثّق عملنا المجازر في الجنينة، ونعلم أن هذه المعلومات، ما نشرناه منها علناً وما تلقيناه سراً، أخذته وزارة الخارجية بعين الاعتبار حين أصدرت قرارها بتصنيف ما جرى إبادةً جماعية".
وخرج الفريق من برنامج وزارة الخارجية في فبراير 2024 ليعمل باستقلالية تامة، وهو قرار اتّخذه لضمان حرية رصد ما يرى ضرورةً لرصده دون ضغوط سياسية. وبحلول أكتوبر 2025، كان الفريق قد وثّق في 91 يوماً أكثر من 50 حادثة قتل جماعي وعمليات حرق متعمد؛ أي بواقع حادثة كل 36 ساعة تقريباً.
ثمّة إشكالية عميقة تواجه إحصاء الضحايا والخسائر في الأرواح في السودان؛ إذ كيف تُحصي ضحايا حرب في مناطق لا تصل إليها كاميرا ولا يدخلها طبيب شرعي، ولا تتوفر فيها سجلات مدنية؟ الجواب التقليدي كان دائماً: لا تستطيع إحصاءهم. وهذا العجز بالذات هو ما يجعل أرقام الضحايا في الحروب المنسية قابلةً للتلاعب؛ تُضخَّم أو تُقلَّص بحسب مَن يرويها ولأي غرض.
وهنا تظهر قيمة التعلّم الآلي من منظور مختلف تماماً: لا بوصفه أداةً استخباراتية أو دعائية، بل منهجاً لاستخلاص الحقيقة من الفوضى. إذ نشر باحثون في مجلة"العلوم"دراسة تستخدم نماذج إحصائية ونماذج التعلم الآلي لتقدير أعداد الوفيات في السودان في ظل شُح البيانات وتشتّتها. تقوم المنهجية على مزج مصادر متباينة لا يبدو في ظاهرها أي ترابط: سجلات المستشفيات المتاحة بشكل جزئي، وإعلانات العزاء التي تنشرها مجموعات المتطوعين السودانيين على تطبيق واتساب، وبيانات النزوح المستخلصة من صور الأقمار الاصطناعية، ومعاملات إحصائية مُشتقّة من أنماط الوفيات في نزاعات مسلحة سابقة. ووحدها الخوارزميات تستطيع أن تُعالج هذا الكمّ المتشعّب من المعطيات غير المتجانسة وتُحوّله إلى تقديرات قابلة للتحقق المنهجي.
كانت النتائج صادمة؛ إذ كشفت الدراسة فجوةً هائلة بين الأرقام المتداولة والحجم الحقيقي للكارثة البشرية: شهدت ولاية الخرطوم وحدها أكثر من 26 ألف وفاة ناجمة عن عمليات قتل متعمد بين أبريل 2023 ويونيو 2024، وهو رقم يفوق تقديرات منظمة ACLED لمُجمل عدد الضحايا في البلاد ككل خلال الفترة ذاتها. وحين يُضاف إلى هذا الرقم ما تُخلّفه الحرب من وفيات غير مباشرة جرّاء الجوع وانهيار المنظومة الصحية وانعدام الدواء، يتجاوز إجمالي الوفيات في الولاية 61 ألف حالة.
ما يعنيه هذا الرقم في سياقه الأشمل أن المنظومة الدولية لرصد الضحايا، رغم كلّ أدواتها وآلياتها، كانت تُقلّص حجم الكارثة السودانية على نحو فادح؛ لا لأن أحداً يُريد إخفاء الحقيقة بالضرورة، بل لأن الأدوات التقليدية لا تصل إلى حيث تقع جرائم الحرب. أمّا التعلّم الآلي فلا يحتاج إلى مراسل في الميدان ولا إلى إذن من أطراف الصراع. وهذا النوع من الحسابات لا يستطيع تنفيذه إنسان بالأساليب التقليدية في ظلّ انقطاع الاتصالات وغياب الرقابة، فيما تنفذه الخوارزميات من بُعد، باستخدام بيانات متفرقة.
ثمة وجه آخر لهذا المشهد: فالذكاء الاصطناعي الذي يرصد الجرائم يواجه ذكاء اصطناعياً آخر مُصمَّماً لطمسها. إذ وثّق مختبر Small Wars Journal ما يصفه بـ"إحدى الحالات المبكرة الموثقة لتوظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي سلاحاً حربياً في السودان": ففي أكتوبر 2023، بثّ مصدر مرتبط بالدعم السريع تسجيلات مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُحاكي صوت الرئيس الأسبق عمر البشير وهو ينتقد البرهان، فانقلب عليه كثير من مؤيديه. وفي مارس 2024، انتشر تسجيل صوتي مُزوَّر للبرهان وهو يأمر بقتل المدنيين، شاهده أكثر من 230 ألف شخص ونشره سياسيون سودانيون بارزون على صفحاتهم. وفي أبريل 2024، انتشرت صورة مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي لمبنى تشتعل فيه النيران مصحوبةً بادعاء كاذب بأن الجيش قصف جامعة الجزيرة.
على الجانب الآخر وثّقت دراسة نشرها ذات المختبر أن مجموعات موالية للجيش السوداني نشرت مقاطع مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي لزعماء قبليين من دارفور يُعلنون تأييدهم للدعم السريع، مما أذكى التوترات العرقية القائمة أصلاً.
لكن الأخطر من تقنيات التزييف العميق ذاتها ما يُسمّيه الباحثون "غنيمة الكاذب"؛ وهي معادلة مقلوبة تجعل انتشار هذه التقنيات سلاحاً مزدوجاً: فكما يستطيع المضلِّل تصنيع الكذبة وإيهام الجمهور بأنها حقيقة، يستطيع في الوقت ذاته الطعن في الحقيقة وادعاء أنها مصنوعة. ولم يعُد السياسي المتورط في جريمة موثّقة مضطراً للتبرير أو الدفاع عن نفسه، بل يكفيه الإنكار ونسبة الأمر إلى الذكاء الاصطناعي. وهو ما يجعل التشكيك في المعلومات أكثر تقويضاً للحقيقة من التضليل بها. وبذلك يعجز المواطن عن التمييز، وتنهار ثقته في الوقائع والمعلومات.
في مواجهة كل هذه الإمكانات، ثمة حدود جوهرية لما تستطيع التكنولوجيا فعله. فالأقمار الصناعية ترى المباني المحترقة لكنها لا تسمع صرخات مَن بداخلها. وتُحصي الجثث لكنها لا تعرف أسماء الأشخاص. وتُثبت الإبادة الجماعية لكنها لا تحمي الضحايا.
وفي تقرير نشرته جامعة جورج ماسون عام 2024 حول توظيف الأقمار الصناعية في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان بالسودان، قال دانيال روثبارت، أستاذ تحليل النزاعات في الجامعة ورئيس مجموعة عمل السودان: "تصوير الأقمار الصناعية يروي جزءاً فقط من قصة الدمار والخراب". لكن القصة الكاملة تحتاج إلى شاهد على الأرض، ومجتمع دولي يستمع، وإرادةً سياسية تتحرك. وهذا ما لا تستطيع الخوارزمية توفيره.
ومع ذلك، حين يغيب الصحفي ويُحاصَر الشاهد وينقطع الاتصال، تبقى الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي الشاهد الأخير؛ لا لأنهما يكفيان، وإنما لأنه لا يوجد شاهد آخر. وفي حرب يتناساها العالم ويقِلّ الاهتمام الدولي بها يوماً بعد يوم، لعلّ السجلات الرقمية تبقى الدليل الوحيد الذي يجد طريقه يوماً إلى قاعات المحاكم لإدانة مجرمي الحرب.