في يوم الصحافة الكردية

26 April 2026
loransalsher56@gmail.com
لورنس الشعير
تابع الكاتب عبر :

في الثاني والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام، يستعيد المشهد الإعلامي الكردي واحدة من أهم لحظاته التأسيسية، حين صدرت في عام 1898 أول صحيفة كردية بعنوان "كردستان" في القاهرة، بإشراف مقداد مدحت بدرخان. لم يكن هذا الحدث مجرد انطلاقة صحفية تقليدية، بل مثّل تحولًا نوعيا في تاريخ التعبير الثقافي والسياسي الكردي، حيث دشّن مرحلة جديدة من الوعي القومي المرتبط باللغة والهوية والحق في الوجود.

تأسست صحيفة "كردستان" في سياق سياسي معقد، اتسم بتراجع الإمبراطوريات وصعود النزعات القومية في أواخر القرن التاسع عشر. وفي ظل غياب كيان سياسي جامع للأكراد، برزت الصحافة كوسيلة بديلة لإنتاج الخطاب العام، وإعادة صياغة الهوية الجماعية. لقد أدّت هذه الصحيفة دورًا محوريًا في توحيد النخب الفكرية الكردية، وربط الشتات الجغرافي بخيط ثقافي مشترك، عبر اللغة الكردية المكتوبة، التي كانت آنذاك في طور التثبيت والتقعيد.

على امتداد القرن العشرين، لم تتطور الصحافة الكردية في بيئة مستقرة، بل واجهت تحديات بنيوية تمثلت في القمع السياسي، وسياسات الإنكار الثقافي، والرقابة الصارمة في الدول التي يتوزع فيها الأكراد. ومع ذلك، استطاعت هذه الصحافة أن تتكيف مع التحولات، فانتقلت من الطباعة السرية إلى النشر العلني في بعض الفترات، ومن الصحف الورقية إلى المنصات الرقمية في العصر الحديث. وشهدت مدن مثل السليمانية ويريفان مراكز مهمة لنشاط الصحافة الكردية، إضافة إلى عواصم أوروبية مثل لندن وكوبنهاغن، التي احتضنت منابر إعلامية كردية في المنفى.

يمكن قراءة تطور الصحافة الكردية من خلال ثلاث مراحل رئيسية: المرحلة التأسيسية (1898–1945)، التي ركزت على بناء الوعي الثقافي؛ المرحلة الأيديولوجية (1945–1990)، حيث ارتبطت الصحافة بالحركات السياسية والتحررية؛ والمرحلة المعاصرة (منذ التسعينيات)، التي اتسمت بتعدد المنصات وتداخل الإعلام التقليدي مع الرقمي. في كل مرحلة، كانت الصحافة الكردية تعكس التوتر القائم بين السعي إلى الاستقلالية المهنية من جهة، والانخراط في القضايا السياسية من جهة أخرى.

في السياق السوري، ولا سيما في مناطق شمال وشرق البلاد، برزت تجربة إعلامية لافتة بعد عام 2011، حيث نشأت مؤسسات إعلامية كردية سعت إلى تقديم خطاب بديل عن الإعلام الرسمي والمعارض التقليدي. وقد تميز هذا الإعلام بمحاولته تبني معايير مهنية، رغم محدودية الموارد والضغوط الأمنية. في هذا الإطار، ظهرت وكالات أنباء وقنوات تلفزيونية ومواقع إلكترونية لعبت دورًا في نقل الوقائع الميدانية، وتوثيق التحولات الاجتماعية والسياسية.

غير أن العمل الصحفي في هذا السياق لم يكن خاليًا من المخاطر. فقد تعرّض العديد من الصحفيين الكرد لانتهاكات جسيمة، شملت الاعتقال، والاختطاف، والاغتيال. وتشير تقارير منظمات دولية مثل مراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين إلى أن الصحفيين العاملين في مناطق النزاع، بما فيها المناطق ذات الغالبية الكردية، يواجهون مستويات مرتفعة من المخاطر. وتُظهر هذه المعطيات أن الصحافة الحرة، في هذا السياق، ليست مجرد مهنة، بل ممارسة محفوفة بالتضحيات.

من منظور مهني تطرح تجربة الصحافة الكردية إشكاليات متعددة تتعلق بالاستقلالية، والتمويل، والموضوعية. ففي ظل غياب مؤسسات إعلامية مستقلة تمامًا، واعتماد العديد من المنابر على دعم حزبي أو خارجي، يصبح من الصعب تحقيق توازن دقيق بين الالتزام بالقضية الكردية والحفاظ على المعايير الصحفية العالمية. ومع ذلك، فإن عددًا من التجارب الإعلامية الكردية استطاع أن يقترب من هذا التوازن، عبر تبني سياسات تحريرية أكثر انفتاحًا، وتدريب كوادره وفق معايير مهنية حديثة.

في المقابل، لا يمكن إغفال التحديات المرتبطة بالإعلام الرقمي، مثل انتشار الأخبار المضللة، وتراجع الثقة بالمصادر التقليدية، وتزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على تشكيل الرأي العام. هذه التحديات لا تخص الصحافة الكردية وحدها، لكنها تكتسب خصوصية في سياق يعاني أصلًا من هشاشة البنية الإعلامية، وتعدد الفاعلين السياسيين.

إن إحياء يوم الصحافة الكردية لا ينبغي أن يقتصر على البعد الاحتفالي، بل يجب أن يكون مناسبة لإجراء تقييم نقدي للتجربة، واستشراف مستقبلها. فالتحدي اليوم لا يكمن فقط في الاستمرار، بل في تطوير نموذج إعلامي قادر على الجمع بين المهنية والاستقلالية، وبين التعبير عن الهوية والانفتاح على الآخر. كما أن الاستثمار في التعليم الإعلامي، وبناء مؤسسات تدريبية متخصصة، يمثل خطوة أساسية نحو تعزيز جودة المحتوى، ورفع مستوى الأداء الصحفي.

في هذا السياق، تبرز أهمية الاعتراف بالدور الذي لعبه الصحفيون الكرد، ليس فقط في نقل الأخبار، بل في حفظ الذاكرة الجماعية، وتوثيق الانتهاكات، والمساهمة في بناء خطاب عام يعكس تطلعات المجتمع. لقد كانت الكلمة، في كثير من الأحيان، الأداة الوحيدة المتاحة في مواجهة سياسات المحو، وهو ما يمنح الصحافة الكردية بعدًا يتجاوز الوظيفة التقليدية للإعلام.

يمكن القول إن الصحافة الكردية، منذ نشأتها وحتى اليوم، تمثل نموذجًا لإعلام نشأ في ظروف استثنائية، واستمر رغم التحديات. وبينما لا تخلو هذه التجربة من نقاط ضعف، فإنها تظل شاهدًا على قدرة الكلمة على الصمود، وعلى أهمية الإعلام في تشكيل الوعي، والدفاع عن الحقوق. إن مستقبل هذه الصحافة مرهون بقدرتها على النقد الذاتي، والتكيف مع التحولات، والتمسك في الوقت ذاته بالقيم الأساسية للعمل الصحفي: الحقيقة، والاستقلال، والمسؤولية.