البابا في الجزائر.. زيارة للذاكرة والمعنى والهوية
ليست الزيارات الدبلوماسية كلها متشابهة، فبعضها يمر كخبر عابر، وبعضها الآخر يفتح أسئلة أكبر مما يجيب عنها. زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر تنتمي، في تقديري، إلى النوع الثاني؛ فهي زيارة تتجاوز البروتوكول لتدخل منطقة أكثر حساسية: منطقة الذاكرة والمعنى والهوية.
في ظاهرها، تبدو الزيارة حدثا رسميا ضمن العلاقات الدولية، لكن في عمقها تثير طبقة أعمق من الأسئلة المرتبطة بتاريخ طويل ومعقد، تشكلت فيه الجزائر كفضاء للتفاعل الفكري والروحي، لا كمجرد جغرافيا سياسية. وهنا يطرح سؤال جوهري: من يملك حق قراءة هذا التاريخ؟ ومن يحدد طريقة تقديمه للعالم؟
لا يمكن تجاهل التقاطع الرمزي الذي تحمله هذه الزيارة. فالبابا القادم من خلفية روحية متأثرة بالتقاليد "الأوغسطينية"، يلتقي رمزيا مع واحد من أبرز الأسماء الفكرية في التاريخ المسيحي القديس أوغسطينوس، ابن طاغاست (سوق أهراس) والمتشكل فكريا في هيبون (عنابة).
هذا التقاطع ليس تفصيلا ثانويا، بل تذكير بأن هذه الأرض كانت في لحظة تاريخية ما جزءا من صناعة الفكر الكوني، وأن حضورها لم يكن هامشيا في مسار التاريخ الإنساني، غير أن الإشكال لا يكمن في الماضي نفسه، بل في طريقة استحضاره وتوظيفه اليوم.
تكشف مثل هذه اللحظات أن اختزال الجزائر في بعدها السياسي أو الحدثي فقط هو قراءة ناقصة، فهذه الأرض عبر تاريخها الطويل، كانت مجالا لتلاقي المرجعيات الفكرية والدينية والثقافية، من العصور القديمة إلى امتداداتها المتوسطية اللاحقة، لكن هذا العمق التاريخي غالبا ما يبقى محصورا بين السرديات الأكاديمية والمناسبات الرمزية، دون أن يتحول إلى عنصر فاعل في الوعي العام أو في الخطاب الثقافي المعاصر.
إن ما نقصده بمفهوم "الملكية الفكرية للتاريخ" ليس امتلاكا إقصائيا للماضي، بل حق امتلاك سرديته وإعادة تقديمه من داخل منظوره المحلي، فالتاريخ لا يعيش فقط بما حدث فيه، بل بكيفية روايته وتفسيره وإعادة إدماجه في الحاضر.
الإشكال الحقيقي اليوم ليس في غياب التاريخ، بل في من يرويه، وكيف يروى، ولأي غاية، هل نبقى في موقع المتلقي لسرديات جاهزة عن ذاكرتنا، أم نعيد بناء خطابنا التاريخي بما ينسجم مع وعينا وأسئلتنا المعاصرة؟
ما تكشفه هذه الزيارة في عمقها هو الحاجة إلى إعادة التفكير في علاقة الجزائر بذاكرتها الحضارية، ليس من زاوية تمجيد الماضي، بل من زاوية فهم موقعه في بناء الحاضر، فالتحولات الثقافية في العالم اليوم تعيد الاعتبار إلى الأماكن التي ساهمت تاريخيا في إنتاج الأفكار، لا فقط في استقبالها، كما أن قراءة الفضاء المتوسطي اليوم لا يمكن أن تتم باعتباره مجرد حدود جغرافية، بل شبكة تاريخية من التبادلات الفكرية والثقافية، وهو ما يمنح الجزائر موقعا مهما داخل هذا الامتداد الحضاري.
لا تقدم هذه الزيارة إجابات جاهزة، لكنها تعيد فتح سؤال أساسي: كيف تنظر الجزائر إلى نفسها داخل تاريخها المتعدد؟ ربما لا تكمن القيمة في الحدث ذاته، بل في ما يفتحه من نقاش حول طريقة فهم الماضي، وقدرتنا على تحويل الذاكرة إلى وعي، والتاريخ إلى معنى حي في الحاضر، بعيدا عن التبسيط أو الاستهلاك الرمزي.