تجربة الإدارة الذاتية في سوريا
في ظل الجدل حول مستقبل الحكم في سوريا، تبدو تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق البلاد نموذجاً يستحق التوقف عنده، فهي مثقلة بالملاحظات والانتقادات على مستوى التمثيل الحقيقي وآليات اتخاذ القرار، لكن في الوقت نفسه قدمت إنجازاً مهماً لا يمكن تجاهله في الحفاظ على التنوع المجتمعي ومنع انزلاق المنطقة إلى صراعات دينية أو قومية أو طائفية.
مناطق الإدارة الذاتية تحتضن خليطاً فريداً من المسلمين والمسيحيين والكرد والعرب والآشوريين والإيزيديين، وهو تنوع لا نجده بالتركيز نفسه في أي مكان آخر من سوريا. ورغم كل الضغوط، نجحت الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية في إبقاء هذا التنوع قائماً وحمايته من التفتت.
إذا عقدنا مقارنة مع تجربة هيئة تحرير الشام في إدلب يظهر الفارق بوضوح. فهناك أقيمت إدارة أحادية اللون أقصت كل المختلفين، وفرضت رؤيتها على المجتمع بالقوة، والأخطر أن المنهج نفسه انتقل إلى دمشق، حيث ما تزال الوزارات السيادية والمناصب الحساسة محصورة في يد لون واحد فقط.
في شمال وشرق سوريا الصورة مغايرة، هناك تنوع في الإدارة ومشاركة واضحة لشخصيات عربية وازنة ضمن مجلس سوريا الديمقراطية، إضافة إلى حضور حقيقي للمرأة في مواقع القرار ومؤسسات قوات سوريا الديمقراطية، وهذا فارق جوهري بين إدارة متعددة الألوان وإدارة أحادية.
لا يمكن أيضا إغفال سجل الانتهاكات في إدلب أثناء حكم هيئة تحرير الشام، من مجزرة قلب لوزة بحق الدروز، إلى مصادرة ممتلكات المسيحيين وفرض قيود على شعائرهم الدينية، وهو ما رسخ صورة حكم إقصائي قسري قائم على العنف.
في المحصلة، أثبتت تجربة الإدارة الذاتية، رغم كل عيوبها، قدرة نسبية على إدارة مجتمع متنوع ومعقد، بينما فشلت التجارب الأخرى في تجاوز ذهنية اللون الواحد والإقصاء.