هل يرفضك الطريق أم يختبرك؟
نحن جيلٌ مُصاب بفوبيا العناء ليس لأننا كسالى بل لأننا نقاد بوهم جماعي يربط الراحة بالصواب والمشقة بالخطأ. لقد أُطعمنا في بداياتنا سرديات مشوهة تُقدّس الطرق المعبدة حتى أصبحنا نُفسّر أول عائق نواجهه وكأنه إشارة إلهية للتوقف، متناسين أن الحقيقة المُرّة تكمن في مكان آخر تماما، فالطرق التي لا تُتعبك، غالبا لا تؤدي إلى أي مكان.
المشكلة ليست في الصعوبة، بل في برمجتنا على قراءتها، لقد نُشئنا في بيئات تُقدّم الراحة بوصفها دليل صحة، ويُنظر فيها إلى العناء بوصفه خللا يجب إصلاحه فورا، ومع مرور الوقت، تسلّلت هذه الحساسية المفرطة إلى قراراتنا الكبرى؛ فأصبحنا ننسحب من مشاريعنا ونستقيل من طموحاتنا وننهي علاقاتنا لمجرد أننا واجهنا مقاومة لم نكن نتوقعها.
هنا تحديدًا نقع في الخلط القاتل، نخلط بين عدم التكيّف مع الشي وعدم مناسبته لنا، إن شعورك بالثقل والارتباك في الأيام الأولى لأي مسار مهني أو شخصي ليس دلالة فشل، بل هو ضريبة ضرورية لدخول مساحة جديدة لم يتشكّل وعينا لاستيعابها بعد.
لنفكك المشهد بحدة أكبر، هناك فرق شاسع بين طريق يرفضك وطريق يختبرك، الطريق الذي لا يناسبك، لا يختبرك بقدر ما يستنزفك؛ يأخذ منك باستمرار دون أن يترك أثرا حقيقيا ويقودك في نهايته إلى شعور ثقيل بالفراغ والانطفاء، أما الطريق الذي يختبرك فلا يريحك، لكنه يدفعك إلى أقصى ما تستطيع، ويُجرّدك من الزوائد التي لا تحتاجها، ثم يعيد تشكيلك بهدوء لتخرج أكثر صلابة ونضجا.
المفارقة المؤلمة أننا نغادر الحلبة غالبا في اللحظة التي تبدأ فيها عملية إعادة التشكيل، نغادر لأننا نسيء فهم الألم؛ نعتبره عدوا، بينما هو في الحقيقة أداة نحت لمستقبلنا.
في زمن يُقاس فيه كل شيء بسرعة نتائجه، لم نعد نحتمل البقاء في تلك المساحة غير الواضحة بين بداية مُرهقة ووصولٍ لم يحن بعد. نغادرها بسرعة كأنها خطأ يجب تصحيحه لا مرحلة يجب عبورها، وكم فرصة أفلتت من أيدينا لا لأنها مستحيلة، بل لأننا حكمنا عليها قبل أن تكتمل صورتها، وكم هدف كان قريبا لكن صاحبه خسره، حين ظن أن الطريق إن لم يكن مريحا فلا يستحق الاستمرار.
دعونا نتوقف عن المثالية الفارغة؛ لستُ هنا لأمجّد المعاناة ولا لأدعوكم إلى اعتناق الألم كأسلوب حياة، فهناك طرق هي في الحقيقة مقابر للطموح، وبيئات عمل لا تصقلك بل تطحنك، لتخرج منها حطامًا إنسانيا.
الإصرار الأعمى في المكان الخاطئ ليس فضيلة، بل هو نوع من الانتحار البطيء، لكن قبل أن تستسلم لغريزة الهروب، عليك أن تملك الشجاعة لمواجهة الحقيقة العارية: ما الذي يفعله بك هذا التعب الآن؟ هل هو استنزافٌ يمحو ملامحك ويتركك جثة هامدة، أم أنه ضغط الأفران الذي يحوّل الكربون إلى ألماس؟
هنا تكمن اللحظة الفارقة التي تفصل بين الناجين الذين عبروا، وبين التائهين الذين قضوا حياتهم يطرقون أبواب البدايات ثم يفرّون عند أول بادرة جهد. اسأل نفسك بصدق جارح وبعيدًا عن ضجيج التبريرات: هل هذا التعب يبنيني أم يهدمني؟، هل ينمو داخلك “شيءٌ ما” حتى لو كان وجعًا يُشعرك بوجودك، أم أنك تتبخر؟
الحقيقة التي يخشى الكثيرون الاعتراف بها، هي أن الطريق الصحيح، حتى وهو ينهش من طاقتك، يمنحك ذلك الشعور الغريب بالامتلاء والرضا الخفي، أما الطريق الخاطئ فمهما كان مريحا ومخمليا، سيتركك في النهاية خاويا وكأنك لم تعبر من هنا أصلا.
ليست كل الطرق المريحة صحيحة، ولا كل الصعاب إشارات توقف. العظمة تُبنى في تلك المساحة الفاصلة بين رغبتك في الاستسلام وفهمك لجدوى الألم. هناك وفي تلك اللحظة تحديدا، تُصنع القرارات التي لا تغيّر مسار عملك فحسب، بل تغيّر مسار حياتك بالكامل. "أنت لا تضل الطريق لمجرد أنك تعبت، ربما أنت فقط، ولأول مرة، بدأت تصل".